![]()
هل لمس المرأة ينقض الوضوء؟
مسألة خلافية معتبرة بين العلماء
هل لمس المرأة ينقض الوضوء؟
مسألة خلافية معتبرة بين العلماء
تعد مسألة لمس الرجل للمرأة من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف مشهور بين العلماء، خاصة فيما يتعلق بأثر اللمس في صحة الوضوء. وقد تناول الفقهاء هذه المسألة بالبحث والاستدلال، مستندين إلى نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية، وإلى ما ورد عن الصحابة والتابعين، وانتهوا إلى آراء متعددة تتفاوت بحسب صورة اللمس وحال الشخص والملابسات المحيطة به.
وتزداد أهمية هذه المسألة في حياة المسلمين اليومية، إذ قد يحدث التلامس بين الرجال والنساء في مواقف مختلفة، وقد يتساءل المسلم بعد ذلك عما إذا كان وضوؤه قد انتقض أم لا.
سبب اختلاف العلماء
يرجع جانب كبير من الخلاف إلى فهم قوله تعالى: “أو لامستم النساء” الوارد في آية الوضوء من سورة النساء، وكذلك في سورة المائدة. فقد فهم بعض العلماء لفظ الملامسة على ظاهره، ورأوا أن مجرد لمس المرأة للرجل أو لمس الرجل للمرأة يمكن أن يكون مؤثرا في الوضوء، بينما حمل علماء آخرون اللفظ على معنى الجماع، مستدلين بأدلة أخرى من السنة وأقوال الصحابة.
ومن هنا نشأ الخلاف بين المذاهب الفقهية، مع اتفاق العلماء على أن خروج شيء من أحد السبيلين بسبب اللمس، كالمني أو المذي، له أحكامه الخاصة التي تقتضي الطهارة بحسب الحالة.
مذهب الحنفية
ذهب الحنفية إلى أن مجرد لمس الرجل للمرأة لا ينقض الوضوء في الأصل، سواء كان اللمس بقصد أو من غير قصد، ما لم يترتب عليه خروج شيء.
وبناء على هذا القول، فإن مجرد مصافحة المرأة أو لمس يدها، مثلا، لا يجعل وضوء الرجل منتقضا، ما لم يصاحب ذلك خروج ما ينقض الطهارة.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن الأصل بقاء الطهارة، ولا ينتقل المسلم عنها إلا بدليل واضح، كما يستدل أصحابه بما ورد من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته دون ثبوت أنه كان يتوضأ بعد كل لمس.
مذهب المالكية
يفصل المالكية في مسألة لمس الرجل للمرأة، ولا يجعلون مجرد التلامس ناقضا للوضوء في جميع الأحوال. ويرتبط الحكم عندهم بالقصد واللذة، فإذا وقع اللمس من غير قصد أو من غير وجود لذة، فلا يكون ناقضا في الأصل.
أما إذا كان اللمس مصحوبا بقصد التلذذ أو ترتبت عليه لذة، فللمسألة عندهم تفصيلات فقهية تختلف باختلاف الحال وما يترتب على اللمس.
ويظهر في هذا المذهب الاهتمام بملابسات الفعل وعدم إطلاق الحكم على جميع صور التلامس بصورة واحدة.
مذهب الشافعية
يرى الشافعية أن لمس الرجل للمرأة الأجنبية أو غيرها من النساء اللاتي يمكن أن يتزوجهن ينقض الوضوء في الجملة، إذا وقع اللمس المباشر بين البشرة والبشرة، من غير حائل، مع وجود الشروط التي يذكرها الفقهاء في المسألة.
وعند الشافعية لا يشترط أن يكون اللمس مصحوبا بشهوة حتى يترتب عليه نقض الوضوء، ولذلك يعد هذا القول من أكثر الأقوال احتياطا في هذه المسألة.
أما لمس المحارم، أو وجود حائل بين البشرة والبشرة، فله أحكام أخرى وتفصيلات معروفة في كتب الفقه.
مذهب الحنابلة
يفصل الحنابلة كذلك في هذه المسألة، والمشهور عندهم أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء بمجرده، وإنما يتعلق الحكم بما إذا كان اللمس مصحوبا بشهوة أو ترتب عليه أثر من الآثار التي تنقض الوضوء.
وقد نقل عن الإمام أحمد في المسألة أكثر من رواية، وهو ما يعكس طبيعة الخلاف الفقهي في هذه القضية، ويؤكد أهمية النظر إلى تفاصيل الواقعة وعدم اختزال أقوال المذهب في صورة واحدة.
أدلة القائلين بعدم النقض
استدل العلماء الذين لا يرون نقض الوضوء بمجرد اللمس بما ورد عن عائشة رضي الله عنها من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد السجود غمز رجليها، فقبضتهما، وهو ما يدل على وقوع نوع من اللمس بين النبي صلى الله عليه وسلم وزوجته أثناء الصلاة.
كما استدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها من أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فالتمسته فوقعت يدها على باطن قدميه وهو في المسجد، وكان يصلي، ولم يرد في الحديث أنه قطع صلاته أو أعاد وضوءه.
وحمل هؤلاء العلماء قوله تعالى “أو لامستم النساء” على الجماع، وهو استعمال معروف في لغة العرب، ووردت عن عدد من السلف تفسيرات تؤيد هذا المعنى.
ماذا يفعل المسلم عند الشك؟
ينبغي للمسلم ألا يجعل هذه المسألة سببا للوسوسة أو المشقة، فالأصل أن من تيقن الطهارة لا يحكم بانتقاضها بمجرد الشك. كما أن اختلاف العلماء في المسألة خلاف معتبر قائم على أدلة واجتهادات فقهية معروفة.
وعليه، فمن أخذ بقول من يرى أن مجرد اللمس لا ينقض الوضوء، خاصة عند عدم الشهوة وعدم خروج شيء، فلا حرج عليه في ذلك من حيث الأصل. ومن أراد الاحتياط وتجديد وضوئه بعد اللمس، فذلك جائز، ما دام لا يعتقد أن القول الآخر باطل أو غير معتبر.
خلاصة المسألة
يتضح أن مجرد لمس الرجل للمرأة ليس محل اتفاق على أنه ينقض الوضوء، بل هي مسألة خلافية معتبرة بين الفقهاء. فالحنفية لا يرون النقض بمجرد اللمس، والمالكية والحنابلة يفصلون بحسب القصد واللذة وآثار اللمس، بينما يرى الشافعية نقض الوضوء في صور من اللمس المباشر وفق ضوابطهم.
والأولى للمسلم أن يعرف أقوال أهل العلم، وألا ينكر على من أخذ بقول فقهي معتبر، مع مراعاة ظروفه والمذهب الذي يتبعه، والابتعاد عن التشدد والوسوسة في مسائل الطهارة التي جاءت الشريعة فيها بالتيسير ورفع الحرج.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | السيدة عائشة, الطهارة, المذهب الحنبلي, المذهب الحنفي, المذهب الشافعي, المذهب المالكي, النبي صلى الله عليه وسلم, الوضوء, لمس الرجل للمرأة



