![]()
هل انتشر الإسلام بالسيف؟.. قراءة نقدية في واحدة من أقدم الشبهات
هل انتشر الإسلام بالسيف؟.. قراءة نقدية في واحدة من أقدم الشبهات
تخيّل دينًا يزعم خصومه أنه لم يجد إلى القلوب سبيلًا إلا عبر رهبة السيوف، وأن الملايين الذين انتسبوا إليه ما فعلوا ذلك إلا خوفًا من لهيب الحديد. لكن حين تفتح دفاتر التاريخ، وتُصغي إلى شهادات الأمم، ترى رواية أخرى: شعوب لم تعرف جيوشًا ولا غزاة، ومع ذلك غمرها الإسلام حتى صار هويتها ووجدانها. فأي السرديتين أصدق؟ أهي حكاية القهر التي كررها المستشرقون وورثها بعض الكُتّاب بلا تمحيص، أم حكاية الفطرة التي لبّت نداء الحق دون إكراه؟
الجذور التاريخية للشبهة
الشبهة التي تزعم أنّ الإسلام انتشر بالسيف ليست وليدة اليوم، بل رُوِّج لها منذ العصور الصليبية وما تلاها من كتابات المستشرقين. كان الهدف السياسي والديني حينذاك واضحًا: تصوير الإسلام دينًا دمويًا يفتقر إلى الحجة والبرهان، ليُبرَّر بذلك صدّ الناس عنه وتبرير الاعتداء على أهله. وقد انتقلت هذه المزاعم إلى أذهان كثير من المثقفين العرب في القرنين الماضيين نتيجة الانبهار بالغرب أو بسبب الفراغ المعرفي في مواجهة هذه الدعايات.
الفتوحات في سياقها الواقعي
حين نقرأ الفتوحات الإسلامية بعيدًا عن ضجيج الخصومة، نجدها تحركات عسكرية ارتبطت بظروف محددة: ردّ عدوانٍ قائم، كسرُ سلاسل الاستعمار الفارسي والروماني التي استعبدت شعوب المنطقة، وتأمين حدود الدولة الناشئة في الجزيرة. لم يكن الهدف إجبار الناس على تبديل معتقداتهم، بل منحهم حرية لم يعرفوها من قبل. والدليل أن معظم الشعوب المفتوحة بقيت على ديانتها قرونًا طويلة بعد الفتح، كالمسيحيين في مصر والشام، والزرادشتيين في فارس، والبوذيين والهندوس في الهند. ولو كان السيف هو الوسيلة، لما بقي أثر لهذه الديانات حتى اليوم.
«لا إكراه في الدين».. مبدأ أصيل
القرآن الكريم وضع قاعدة صلبة لا تعرف المواربة: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». ورسول الله ﷺ لم يرفع سيفًا ليكره إنسانًا على الإسلام، بل أعلن في وثيقة المدينة أنّ لأهل الكتاب دينهم وأمنهم وحقوقهم. إنما كانت الحروب حين تقع ردًا على عدوان، أو حماية لحق الدعوة أن تُبلّغ إلى الناس بلا حواجز سياسية أو كهنوتية. فالمواجهة لم تكن مع الأفراد في معتقداتهم، وإنما مع أنظمة قمعية حالت بين الشعوب وحرية الاختيار.
شهادات المنصفين
حتى بعض كبار مفكري الغرب، الذين لا يُحسبون على الإسلام، أنصفوا الحقيقة. قال المؤرخ البريطاني توماس كارلايل: «من السخف أن يُقال إن الإسلام انتشر بالسيف، فهل رأيتم قط سيفًا يصنع قلوبًا مؤمنة؟». وكتب المستشرق دي لاسي أوليري: «القول بأن الإسلام فُرض على العالم بقوة السيف خرافةٌ كبرى رددها المؤرخون الغربيون». مثل هذه الشهادات تكشف أن الصورة التي رسمها أعداء الإسلام كانت أداة بروباغندا أكثر منها قراءة علمية للتاريخ.
الإسلام رسالة قلوب لا رهبة سيوف
ما الذي يفسر دخول الملايين في الإسلام في أماكن لم تطأها جيوش المسلمين قط، مثل إندونيسيا وماليزيا وجزر شرق آسيا؟ لقد كان التجار والدعاة والقدوة الصالحة هي السيوف الحقيقية التي اخترقت الحجب، لا حديد الجيوش ولا صليل الرماح. هذه الشواهد تنسف الفكرة من أساسها، وتثبت أن قوة الإسلام تكمن في معانيه الروحية وأخلاقياته الرفيعة لا في ترسانة عسكرية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | شبهات أحاطت بالإسلام, هل انتشر الإسلام بالسيف



