![]()
هكذا العيش.. عبد الله بن المبارك بين العلم والناس
يُروى أن عبد الله بن المبارك، العالم المجاهد الزاهد، وقف يوماً مزاحماً الناس عند بئر يشربون منها، يمد يده كما يمدون، ويصبر على الدور كما يصبرون. لم يكن المشهد عادياً، فالرجل الذي ملأ الدنيا علماً وزهداً، والذي كان بإمكانه أن يكتفي بخدمته أو مكانته، اختار أن يكون واحداً من العامة، يشاركهم العناء، ويذوق معهم طعم الانتظار. في تلك اللحظة، لم يكن العلم ولا الثروة ولا الشهرة حجاباً بينه وبين الناس، بل كان واحداً منهم، يشاركهم تفاصيل الحياة البسيطة.
“هكذا العيش”: كلمة تختصر فلسفة الزهد
حين فرغ من الشرب، قال قولته الشهيرة: “هكذا العيش”. لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت إعلاناً عن فلسفة كاملة في النظر إلى الدنيا. أراد أن يقول إن الحياة الحقيقية ليست في التميز المترف ولا في الانعزال عن الناس، بل في مشاركتهم، في أن يعيش العالم بينهم لا فوقهم، وأن يذوق معهم مشقة الحياة كما يذوقون. كانت الكلمة درساً في التواضع، ورسالة بأن العلم لا يرفع صاحبه عن الناس، بل يرفعه بهم ومعهم.
بين الثراء والعلم والاختيار الواعي
عبد الله بن المبارك لم يكن فقيراً ولا مجهولاً، فقد كان ثرياً واسع العلم، قادراً على أن يعيش في رفاهية أو أن يكتفي بمكانته العلمية التي تكفيه عن الزحام. لكنه اختار أن يخلع عن نفسه امتيازات الثراء والعلم، ليؤكد أن العيش الحق هو أن تكون جزءاً من الناس، لا أن تنفصل عنهم. هذا التعريض يفتح باباً للتأمل: كم من عالم أو ثري يظن أن مكانته تعفيه من مشقة الحياة، بينما ابن المبارك جعل من المشقة نفسها درساً في الزهد والإنسانية.
العيش المشترك سرّ الهيبة
ذلك الموقف البسيط عند البئر كان أبلغ من آلاف الخطب، لأنه جسّد معنى العيش المشترك. الهيبة التي أحاطت بابن المبارك لم تكن من ثرائه ولا من علمه وحده، بل من قدرته على أن يكون قريباً من الناس، يشاركهم الماء والعرق والزحام. وهكذا صار موقفه رمزاً للعيش المتواضع الذي يرفع صاحبه في أعين الناس أكثر مما ترفعه القصور أو المناصب.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التواضع, الثراء, الزهد, العلم, الناس, عبد الله بن المبارك, هكذا العيش



