![]()
نولدكه والقرآن..
حين يقرأ المستشرق الوحي بعين اللغة ويغفل الروح
في القرن التاسع عشر، بزغ اسم ثيودور نولدكه كأحد أبرز المستشرقين الذين تصدوا لدراسة القرآن الكريم، لا من منطلق الإيمان به، بل من زاوية التحليل اللغوي والتاريخي البارد.
كان نولدكه مؤسسًا لمدرسة نقدية حاولت أن تُخضع النص القرآني لأدوات الفيلولوجيا الألمانية، متجاهلًا السياق الإلهي الذي نزل فيه هذا النص، ومتجاوزًا حدود الإنصاف العلمي في كثير من مواضعه. وفي هذا المقال، نرد على أبرز أطروحاته، ونكشف ما فيها من قصور منهجي وتحيز معرفي.
الفيلولوجيا الغربية في مواجهة النص القرآني
اعتمد نولدكه في دراسته للقرآن على المنهج الفيلولوجي، وهو منهج لغوي تاريخي نشأ في الجامعات الألمانية، يهدف إلى تتبع تطور النصوص عبر الزمن من خلال تحليل البنية اللغوية والأسلوبية. وقد حاول نولدكه تطبيق هذا المنهج على القرآن، فاقترح ترتيبًا زمنيًا لسوره يخالف الترتيب المصحفي، زاعمًا أن السور المكية جاءت أولًا، ثم تدرجت نحو المدنية، بناءً على خصائص لغوية وموضوعية.
لكن هذا المنهج، وإن بدا علميًا في ظاهره، يعاني من قصور جوهري عند تطبيقه على القرآن. فالقرآن ليس نصًا أدبيًا خالصًا، بل خطاب إلهي متجاوز للزمن، نزل منجمًا وفق الوقائع والأحداث، لا وفق تطور لغوي أو أسلوبي. كما أن نولدكه أغفل الطبيعة الشفوية للقرآن، التي تجعل من ترتيب النزول مسألة معقدة لا يمكن حسمها بأدوات لغوية فقط، بل تحتاج إلى الجمع بين الرواية والتفسير والسياق التاريخي.
الطعن في جمع القرآن: تجاهل للتواتر وتاريخ التدوين
من أبرز شبهات نولدكه تشكيكه في جمع القرآن، وادعاؤه أن النص لم يُجمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل تم تدوينه لاحقًا بطريقة غير دقيقة. وهذا الطعن يتجاهل ما تواتر في كتب الحديث والسير من أن القرآن جُمع في عهد النبي حفظًا وكتابة، ثم جُمع رسميًا في عهد أبي بكر، وأُقرّ في عهد عثمان بن عفان بإجماع الصحابة.
كما أن نولدكه لم يُعِر اهتمامًا لمفهوم التواتر، وهو حجر الزاوية في نقل النصوص في التراث الإسلامي، ويضمن أن القرآن وصلنا كما أُنزل، دون زيادة أو نقصان. إن تجاهل نولدكه لهذا المفهوم يُعد إخلالًا بمنهجية البحث، ويكشف عن تحيز مسبق ضد الرواية الإسلامية.
القراءات القرآنية: تنوع مشروع لا اضطراب نصي
رأى نولدكه في تعدد القراءات القرآنية دليلًا على اضطراب النص، واعتبرها انعكاسًا لاختلافات في النقل والتدوين. لكن هذا الفهم يتجاهل أن القراءات القرآنية المتواترة أُقرت من النبي نفسه، وهي تمثل وجوهًا لغوية متعددة للنص الواحد، دون أن تمس المعنى أو تخل بوحدة الرسالة.
القراءات ليست اضطرابًا، بل تنوعًا مشروعًا يعكس مرونة النص القرآني وقدرته على التفاعل مع بيئات لغوية متعددة. وقد وضع علماء الإسلام ضوابط صارمة للتمييز بين القراءات المتواترة والشاذة، مما يجعل الطعن فيها طعنًا في منظومة علمية متكاملة، لا مجرد اختلافات عشوائية كما توهم نولدكه.
خلفيات نولدكه الفكرية: إسقاطات نقدية على نص مقدس
لفهم موقف نولدكه من القرآن، لا بد من النظر إلى خلفيته الفكرية. فقد نشأ في بيئة أكاديمية أوروبية مشبعة بالنقد التاريخي للكتاب المقدس، وسعى إلى تطبيق المنهج نفسه على القرآن، متجاهلًا خصوصية النص القرآني من حيث الحفظ والتعبد والتواتر. كما أن نولدكه كان جزءًا من مشروع استشراقي أوسع، هدفه تفكيك النصوص الإسلامية وإعادة تأويلها خارج سياقها العقدي.
لقد قرأ نولدكه القرآن بعين الباحث اللغوي، لكنه أغفل أن هذا النص لا يُفهم إلا في ضوء الإيمان، وأن اللغة فيه ليست مجرد أداة، بل وعاء للوحي، لا تنفصل عن مقصده ولا تُختزل في بنيته.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الاستشراق, التواتر, الفيلولوجيا, القراءات القرآنية, المدرسة الألمانية, النقد الغربي, تاريخ القرآن, ثيودور نولدكه, جمع القرآن, شبهات المستشرقين



