![]()
موقف النبي من شارب الخمر
حين علم الرحمة وسط العقوبة
موقف النبي من شارب الخمر
حين علم الرحمة وسط العقوبة
في سجلّ السيرة النبوية مواقف لا تُروى لمجرد الحكاية، بل لتُتخذ منارًا في فهم النفس البشرية وضبط ميزان العدل والرحمة. ومن بين تلك المواقف، يبرز مشهد عظيم جمع بين الحزم في إقامة الحدّ والرفق في معاملة المذنب؛ مشهدٌ تتجلى فيه حكمة النبي ﷺ في بناء مجتمعٍ لا يُقصي العاصي، ولا يُجامل على حساب القيم، بل يُقيم العدل ليُطهّر، ويمنح الرحمة ليُصلح.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا، فَقَالَ: اضْرِبُوهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ». رواه البخاري.
الموقف في صورته الظاهرة
يبدو المشهد لأول وهلة موقفًا تأديبيًا حازمًا: رجلٌ أتى النبي ﷺ وقد شرب خمرًا، فأمر بعقوبته. غير أن عمق الموقف لا يكمن في الجلد وحده، بل في الرحمة التي تلت العقوبة، وفي الحدّ الذي ضُرب دون أن تُهدر كرامة الإنسان. فالنبي ﷺ لم يلغِ الحد، ولم يُخفّفه، لكنه أيضًا منع أن يُستباح شارب الخمر أو يُلعن، لأن الهدف من العقوبة الإصلاح لا التشهير.
بين العدل والرحمة
في هذا الموقف يجتمع ميزانان لا يجتمعان إلا في شريعةٍ رحيمة:
ميزان العدل الذي يقضي بإقامة الحد على من شرب المسكر، لأن الخمر تذهب العقل وتفسد المجتمع،
وميزان الرحمة الذي يمنع الناس من الشماتة أو الدعاء على العاصي، لأن الشريعة لا تُريد أن تُغرق المخطئ في ظلام الذنب، بل تفتح له باب العودة.
فقول النبي ﷺ: «لا تُعينوا عليه الشيطان» يكشف أن الكلمة القاسية بعد العقوبة قد تهدم ما أصلحه الحدّ، وأن الإصلاح لا يكتمل إلا حين تمتد الرحمة إلى القلب بعد أن قامت العقوبة على الجسد.
إشارات تربوية عميقة
هذا الحديث يعلّمنا أن المجتمع المسلم لا يفرح بسقوط أحدٍ في المعصية، بل يسعى إلى تقويمه. فالنبي ﷺ لم يُهِن الرجل، ولم يُطلق عليه الألقاب، بل أراد أن يَحول بينه وبين اليأس.
لقد أدرك النبي ﷺ أن العقوبة دون رأفة تولّد قسوة، والرأفة دون انضباط تولّد تهاونًا، فجمع بينهما في ميزانٍ دقيقٍ من حكمة النبوة.
كما أن أمره ﷺ بعدم الدعاء على العاصي يربي الأمة على الستر والدعاء بالهداية بدل الإقصاء، لأن الهداية هي الهدف الأسمى. قال العلماء: “الحدود زواجر وجوابر”، فهي تزجر عن المعصية، وتجبر الذنب، وتمحو أثره إن تاب العبد.
رسالة الموقف للأمة
من هذا الموقف النبوي نتعلم أن الإسلام لا يَكره العاصي، بل يكره المعصية، وأن العدل لا ينفصل عن الرحمة، وأن المجتمع الصالح ليس الذي يخلو من الذنوب، بل الذي يملك القدرة على إصلاح المذنبين.
فكم من مذنبٍ أصلحه لينٌ بعد قسوة، وكم من عاصٍ عاد إلى الله لأن الناس لم يُغلقوا دونه باب الأمل!
وهذا هو هدي الحبيب ﷺ: أن يُقيم الحدّ بالعدل، ويُحيي القلب بالرحمة، ليبقى الدين توازنًا بين تطهير الجسد وإحياء الضمير.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التربية النبوية, الرحمة النبوية, شارب الخمر, مواقف نبوية



