![]()
من النون إلى الميم.. رحلة صوتية في حكم الإقلاب
من دقائق علم التجويد وجمالاته أن يجعل لكل حرفٍ حقَّه ومخرجه وصفته، حتى تتناغم الأصوات في تلاوةٍ تليق بجلال الوحي. ومن تلك القواعد الدقيقة التي تظهر فيها عناية العلماء بصون اللفظ القرآني حكم الإقلاب، وهو من أحكام النون الساكنة والتنوين، ومن المواضع التي يتجلى فيها التوازن بين الصوت والمعنى.
معنى الإقلاب لغةً واصطلاحًا
الإقلاب في اللغة يعني التحويل أو التبديل، ومنه قول العرب: “قلب الشيءَ” أي حوّله عن وجهه.
وأما في اصطلاح علم التجويد، فهو قلب النون الساكنة أو التنوين ميمًا خفيفةً عند لقاء حرف الباء، مع بقاء الغنة في النطق.
فإذا جاء بعد النون الساكنة أو التنوين حرف الباء، قُلبت النون ميمًا لفظًا، وأُخفي صوتها مع غنةٍ لطيفة مقدارها حركتان.
دليل الإقلاب من القرآن الكريم
دلّ على هذا الحكم تتابع القراءة المتواترة في تلاوة القرآن الكريم، وأجمع عليه أئمة الأداء. ومن أوضح الأمثلة القرآنية على الإقلاب قول الله تعالى:
“أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ” [البقرة: 33]
“سَمِيعٌ بَصِيرٌ” [النساء: 58]
“غَفُورٌ بِالْعِبَادِ” [فاطر: 30]
ففي كل موضعٍ من هذه المواضع جاءت النون الساكنة أو التنوين قبل الباء، فقُلبت النون ميمًا خفيفةً يُسمع معها خفوت الصوت وغنّة لطيفة تُشبه الإخفاء.
كيفية أداء الإقلاب
يُؤدى الإقلاب بثلاث خطوات صوتية دقيقة:
- قلب النون الساكنة أو التنوين ميمًا في المخرج، من غير كتابة، فهي ميمٌ لفظًا لا رسمًا.
- إخفاء الميم المقلوبة بحيث لا تُغلق الشفتان إغلاقًا تامًا كما في الإظهار، ولا يُفتحان كليًا كما في الإدغام، بل يُجعل بينهما فرجةٌ لطيفة لخروج الغنة.
- إبقاء الغنة بمقدار حركتين، وهي غنة النون التي لم تُسقط، بل تحولت إلى غنة الميم.
وهذا الأداء الدقيق يجعل الصوت ينتقل بانسجام من مخرج النون إلى مخرج الباء دون تنافرٍ أو ثقل، وهو من بديع ما استقر عليه الأداء القرآني منذ عهد الصحابة.
الفرق بين الإقلاب والإخفاء والإدغام
قد يلتبس الإقلاب بغيره من الأحكام، لكن الفروق واضحة لمن تدبّرها:
- الإخفاء يكون عند خمسة عشر حرفًا غير الباء، وتبقى النون على حالها بلا قلب.
- الإدغام هو إدخال النون في الحرف الذي بعدها بحيث يصيران صوتًا واحدًا.
- أما الإقلاب فله خصوصيته، إذ يجتمع فيه قلب النون إلى ميمٍ مع إخفائها وغنتها في آنٍ واحد.
الحكمة الصوتية من الإقلاب
إن في الإقلاب حكمةً بليغةً من حيث جمال النطق وتناسق الأصوات؛ فحرف النون يخرج من طرف اللسان، بينما الباء من الشفتين، فكان الجمع بينهما ثقيلاً في النطق، فاقتضى التيسير الصوتي أن تُقلب النون إلى ميمٍ، لأن الميم والباء كلاهما يخرجان من الشفتين، فتنتقل الأصوات بانسجامٍ طبيعيٍّ دون كلفةٍ أو نفور.
وهذا من إعجاز الأداء القرآني، حيث جاءت أحكام التجويد منسجمةً مع طبيعة النطق البشري، تيسيرًا لا تعسيرًا، وجمالًا لا جفافًا.
أثر الإقلاب في تلاوة القرآن
يُعطي الإقلاب التلاوة رخامةً صوتيةً عذبة، ويمنح القارئ فرصةً للتأمل في النغمة الهادئة التي ترافق الغنة، فيُسمع كأنما نَفَسٌ من خشوعٍ يسبق الباء. ومن هنا كان الإتقان في أدائه علامةً على حسن التلاوة ودقة الضبط، كما قال الإمام ابن الجزري رحمه الله:
«من لم يُجوِّد القرآن آثم، لأنه به نزل ومنه أُخذ.»
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أحكام النون الساكنة والتنوين, الأداء القرآني, الإقلاب, تحسين الأداء القرآني, علم التجويد



