![]()
من التنوير الأوروبي إلى التنوير الإسلامي: مسارات الفكرة وتحولات السياق
من التنوير الأوروبي إلى التنوير الإسلامي: مسارات الفكرة وتحولات السياق
لم تكن حركة التنوير الأوروبية حدثًا عابرًا في التاريخ الغربي، بل كانت ثورة فكرية كبرى قلبت أنماط الوعي، ونقلت الإنسان من عصور الإذعان الكهنوتي إلى فضاءات العقل والتجربة والحرية. ومن رحم تلك الثورة خرجت مفاهيم جديدة للعلم والسياسة والأخلاق، مهّدت لقيام الحداثة في صورتها الحديثة. غير أن تلك الفكرة، حين وصلت إلى العالم الإسلامي، لم تنتقل كما هي، بل خضعت لتمحيصٍ طويلٍ وتأويلٍ خاص، نتج عنه ما عُرف لاحقًا بـ التنوير الإسلامي؛ حركةٌ أرادت أن تُصالح بين الوحي والعقل، وأن تبعث الدين في ثوبٍ معاصر دون أن تُفرّط في جوهره.
التنوير الأوروبي: من سلطان الكنيسة إلى سلطان العقل
انبثق التنوير الأوروبي في القرن السابع عشر، وتبلور في الثامن عشر، حين بدأ المفكرون — من ديكارت إلى فولتير وروسو وكانط — يرفعون راية العقل النقدي في وجه السلطة الدينية والسياسية التي كبّلت الفكر قرونًا طويلة.
كانت الكنيسة آنذاك تتحدث باسم السماء وتفرض تفسيرها على الأرض، فثار الفلاسفة ضد احتكار الحقيقة، ودعوا إلى إخضاع كل شيء لمعيار التجربة والعقل، لا للنص المقدس.
ومن هنا نشأت قيم الحرية الفردية، والتسامح الديني، وفصل الدين عن الدولة، وهي القيم التي غدت لاحقًا مرتكزات الحداثة الأوروبية.
غير أن هذا التنوير لم يكن محايدًا في سياقه التاريخي؛ فقد وُلد من رحم الصراع مع مؤسسة دينية متسلطة، ولذلك حمل في داخله موقفًا حادًا من الدين نفسه، لا من تأويلاته فحسب. وهنا بدأ الفارق الجوهري بين التنوير الأوروبي والتنوير الإسلامي في المنطلق والغاية.
انتقال الفكرة إلى الشرق الإسلامي
مع احتكاك العالم الإسلامي بالغرب عبر الاستعمار، والبعثات التعليمية، وحركة الترجمة في القرن التاسع عشر، تسرّبت أفكار التنوير إلى المثقفين العرب والمسلمين.
لكن المفكرين المسلمين لم يتلقّوها باعتبارها ثورة على الدين، بل بوصفها ثورة على الجمود العقلي والتقليد الفقهي الذي عطّل حركة الاجتهاد. فبدلاً من شعار “العقل ضد الإيمان”، رفع روّاد التنوير الإسلامي شعار “العقل في خدمة الإيمان”.
وهكذا نشأت المدرسة الإصلاحية التي قادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وسرعان ما تفرّعت عنها تيارات فكرية متباينة بين الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي. كانت تلك الحركة تدعو إلى فهمٍ جديد للنصوص، يواكب تطورات العلم، ويربط الدين بالحياة لا بالجمود.
التنوير الإسلامي: تصالح العقل مع الوحي
اختلف التنوير الإسلامي جذريًا عن نظيره الأوروبي؛ فبينما كان الأخير يهدف إلى تحرير الإنسان من الدين، كان الأول يسعى إلى تحرير الدين من الجمود.
وقد عبّر الإمام محمد عبده عن هذه الرؤية حين قال: “ما بين الدين الصحيح والعلم الصريح عداء، إنما الخلاف بين الجهل والتقليد.”
فالتنوير الإسلامي لم يكن مشروعًا لإلغاء التراث، بل لإحيائه بعينٍ جديدة، تُميز بين الثابت والمتغير، وبين ما هو نصيّ وما هو اجتهاديّ.
وجاء رشيد رضا ليُعمّق هذا الاتجاه في مجلة المنار، داعيًا إلى إصلاح الفكر الديني من الداخل، ومواجهة الخرافة بالعلم، والبدعة بالعقل، مع الحفاظ على المرجعية الشرعية.
أما طه حسين فقد نقل الفكرة إلى ميدان الأدب والتعليم، فدعا إلى العلمانية الجزئية القائمة على التعليم الحر، دون أن يُسقط من الاعتبار القيم الدينية الكبرى التي تشكل وجدان الأمة.
تحولات السياق: من الإصلاح إلى الصراع الفكري
مع منتصف القرن العشرين، دخل التيار التنويري الإسلامي مرحلةً جديدة؛ إذ بدأ يصطدم بتياراتٍ فكريةٍ أخرى — قومية، وسلفية، وماركسية — كل منها يحمل رؤيته الخاصة للإصلاح والمجتمع والدين.
وفي خضمّ هذا التزاحم، تراجع مفهوم “التنوير” إلى مناطق الجدل، فصار يُتّهم أحيانًا بالتهاون في الدين أو بالاقتباس من الغرب، بينما دافع عنه أصحابه بوصفه استئنافًا للعقل المسلم وإحياءً لجوهر الرسالة القرآنية: “أفلا يتدبرون؟”
لقد أثبتت التجربة أن التنوير في الإسلام ليس مشروع استيرادٍ ثقافي، بل حركة وعيٍ داخلية، تُعيد بناء العلاقة بين الدين والعقل والعصر، دون قطيعةٍ مع التراث أو انبهارٍ بالغرب.
وما تزال تلك الأسئلة القديمة — عن حدود الاجتهاد، وموقع العقل، وطبيعة الحداثة — تتجدد في كل جيل، لتجعل من التنوير الإسلامي مشروعًا مفتوحًا لا ينتهي عند زمان ولا مكان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التنوير الأوروبي, التنوير الإسلامي, تيار التنوير, تيارات فكرية



