![]()
منهج الإمام مسلم في نقد الأحاديث.. التثبت والوسطية
منهج الإمام مسلم في نقد الأحاديث.. التثبت والوسطية
إذا كان الإمام البخاري قد عُرف بصرامته البالغة في قبول الأحاديث، فإن الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (ت 261هـ) جاء بمنهجٍ يتسم بالصرامة من جهة، وبالوسطية والاعتدال من جهة أخرى. وقد تجلت ثمرة هذا المنهج في كتابه العظيم “الجامع الصحيح“، الذي صار مع “صحيح البخاري” أعظم كتابين بعد كتاب الله تعالى، وتلقتهما الأمة بالقبول والإجماع.
شخصية مسلم العلمية
وُلد الإمام مسلم بن الحجاج سنة 204هـ بمدينة نيسابور، وكان من تلامذة الإمام البخاري، فأخذ عنه الكثير وتأثر بدقته، غير أنه اختطّ لنفسه منهجاً خاصاً، جعله إماماً مستقلاً. وقد عُرف بقوة الحفظ، حتى قيل إنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث، كما عُرف بعمق نظره في الرجال والأسانيد.
شروطه في قبول الحديث
وضع الإمام مسلم جملة من الشروط لقبول الحديث في صحيحه، اتفقت في أصلها مع شروط البخاري، غير أنها كانت أوسع وأيسر من بعض الوجوه، ومن أهمها:
- اتصال السند: فلا يقبل المنقطع ولا المرسل.
- عدالة الراوي وضبطه: شرط لا بد منه، وقد التزم فيه بما قرره أئمة الجرح والتعديل.
- الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقاء: وهنا يظهر الفرق الجوهري بينه وبين البخاري؛ فبينما اشترط البخاري تحقق اللقاء والسماع، اكتفى مسلم بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، ما لم يقم دليل على عدمه.
- سلامة الرواية من الشذوذ والعلة: كان يتفحص الروايات بدقة، ويجمع الطرق المختلفة للحديث الواحد، ليكشف مواضع الاختلاف أو الوهم.
منهجه في عرض الأحاديث
تميّز صحيح مسلم بمنهج دقيق في العرض، يتضح في:
- جمع الطرق والأسانيد: كان يورد للحديث أكثر من سند في موضع واحد، ليمكّن القارئ من المقارنة بينها.
- قلة التكرار: بخلاف البخاري، قلّ أن يكرر الحديث في مواضع متعددة، بل يجمع طرقه في مكان واحد.
- الترتيب المحكم: رتب كتابه على الأبواب الفقهية، مع مقدمة نفيسة في قواعد الرواية وآدابها، تُعد من أنفس ما كُتب في هذا الباب.
أمثلة على وسطية مسلم
لم يُفرّط الإمام مسلم في شروطه، لكنه لم يبالغ في التشدد أيضاً. ولهذا نجد في صحيحه أحاديث صحيحة لم يخرجها البخاري بسبب شرطه في تحقق اللقاء. ومع ذلك، لم يروِ مسلم إلا عن رواة ثبتت عدالتهم وضبطهم، مما جعل كتابه في مرتبة عالية لا ينازعها إلا صحيح البخاري.
ومن أمثلة منهجه: أنه قبل رواية بعض الثقات عن شيوخهم مع عدم ثبوت السماع المباشر، ما دام اللقاء ممكناً ومعاصراً، وهو ما رفضه البخاري.
مكانة صحيحه في الأمة
نال “صحيح مسلم” منزلة عظيمة بين العلماء، فصار ثاني أصح كتاب بعد القرآن الكريم، بل فضّله بعض العلماء على صحيح البخاري من حيث سهولة الترتيب وجودة العرض. قال النووي: اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحان للبخاري ومسلم، غير أن كتاب البخاري أصحّ وأكثر فوائد، وكتاب مسلم أجود ترتيباً وأحسن سياقاً.
وقد اعتنى العلماء بشرحه والتعليق عليه، ومن أشهر شروحه: “المنهاج“ للنووي، الذي صار عمدة في فهم الصحيح.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإمام مسلم, الحديث الشريف, الحديث النبوي, منهج الامام مسلم



