![]()
مقدمة الخطبة.. بوابة الخطيب إلى القلوب والعقول
مقدمة الخطبة هي المفتاح السحري الذي يفتح به الخطيب أبواب القلوب قبل أن يطرق آذان العقول. فهي اللحظة الأولى التي تُحدِّد موقف الجمهور: أيسمعون بإنصاتٍ وشغف، أم يكتفون بالنظر دون اهتمام؟ ومن هنا كانت المقدمة فنًّا قائمًا بذاته، يُبنى عليه نجاح الخطبة أو ضعفها.
المقدمة بين التهيئة والتأثير
تُعدّ مقدمة الخطبة المدخل النفسي والذهني للجمهور، فهي التي تهيئ السامعين لتلقّي الفكرة، وتبني الجسر الأول بين الخطيب ومستمعيه. وقد كان الخطباء الأوائل يدركون هذه الحقيقة إدراكًا بليغًا، فكانوا يختارون في بدايات خطبهم أرقّ الألفاظ وأقواها، يبدؤون بحمد الله والثناء عليه، ثم يثيرون فكرة تُلامس وجدان السامعين أو مشهدًا يحرّك مشاعرهم، فيستحوذون على انتباههم من اللحظة الأولى.
سرّ المقدمة المؤثرة
الخطيب الماهر لا يبدأ خطبته ارتجالًا، بل يدخل من الباب الذي يليق بموضوعه وجمهوره. فإن كانت خطبته وعظًا بدأ بالترغيب واللين، وإن كانت تحذيرًا افتتحها بآية أو مشهد يثير الخشية، وإن كانت فكريةً أو علميةً بدأها بسؤالٍ ذكي أو صورةٍ ذهنية توقظ العقل.
ولذلك كانت المقدمة الناجحة تقوم على ثلاثة عناصر:
- الصدق الذي يلامس القلب.
- الوضوح الذي يفتح الأذهان.
- الأسلوب الجاذب الذي يأسر الانتباه.
دور المقدمة في استرعاء العقول
العقول لا تُستدرج إلى الإصغاء بالقوة، وإنما تُستمال بالذكاء والصدق. والمقدمة الجيدة تزرع الثقة بين الخطيب ومستمعيه، وتجعلهم يشعرون أنه يتحدث إليهم لا عنهم، وأنه يحمل رسالة لا خطبة. وهنا يتحول المستمع من متلقٍ سلبي إلى شريكٍ فكري وعاطفي في الخطبة، وهذا هو غاية فن الخطابة.
مقدمة الخطبة بين البلاغة والنية
البلاغة الحقيقية لا تكمن في زخرفة الألفاظ، بل في الإحساس الصادق بالرسالة. فإذا خرجت المقدمة من قلبٍ حيٍّ متصل بالله، دخلت إلى القلوب بلا استئذان. وإن كان الخطيب يطلب بها وجه الله لا إعجاب الناس، صارت كلماته نورًا يهدي لا صدىً يُنسى.
وهكذا تظل مقدمة الخطبة هي لحظة الميلاد الحقيقية للخطيب، بها يُقاس فنه، ويُعرف صدقه، وتُختبر قدرته على أسر العقول والقلوب معًا، فليجعلها كل خطيب مدخله المضيء إلى الرسالة التي يحملها.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخطبة المؤثرة, تطور فن الخطابة, فن الخطابة, مقدمة الخطبة



