![]()
مقاصد العبادات: فلسفة الشرع ومعارج الروح
إذا نظرنا إلى الشرائع السماوية بعين التأمل وجدناها جميعًا تهدف إلى تهذيب الإنسان وإصلاح قلبه وسلوكه، غير أن الإسلام امتاز بإبراز هذه المقاصد بصورة أوضح، وجعلها جزءًا من منظومته التشريعية المحكمة. فليست العبادات مجرد تكاليف يرزح تحتها المكلف، وإنما هي مفاتيح لإطلاق قوى الخير الكامنة في النفس، وموازين لضبط الغرائز والشهوات، ومنارات تهدي القلب إلى الله.
لقد أكد علماء المقاصد أن العبادات ـ في ظاهرها ـ شعائر محددة بأركان وشرائط، لكنها ـ في باطنها ـ تحمل من الحكم والمعاني ما لو أدركه المسلم لتحولت العبادة إلى رحلة روحية متصلة. يقول الإمام الغزالي: “المقصود من العبادات حضور القلب مع الله، أما الأعمال الظاهرة فوسائل ومقدّمات”. وهذا الفهم هو الذي يرفع العبادة من كونها عادة مكرورة إلى كونها معراجًا للروح.
الصلاة: صلة واتزان
الصلاة هي أول ما افترض الله على عباده، وهي الركن الأعظم بعد الشهادتين. غير أن مقصودها لا ينحصر في أداء الحركات والقراءة، بل هي إقامة الصلة بين العبد وربه، ودوام التذكير بأن الحياة كلها تدور حول محور العبودية. ومن مقاصدها أيضًا تهذيب النفس بالخشوع، وبعث الطمأنينة، وتربية الانضباط، حتى قال ابن القيم: “للصلاة في القلب سر عجيب في جلب المنافع ودفع المضار”.
الصيام: مدرسة التقوى
أما الصيام، فهو عبادة فريدة لا يطّلع عليها إلا الله، لذلك ارتبط اسمه بالتقوى صراحة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ومقصوده الأسمى تهذيب الإرادة وكسر سلطان الشهوة، ليخرج الصائم من رمضان وقد استقام قلبه على مراقبة الله، وألفت نفسه الصبر والاحتمال، وتذوّق ألم الجوع ليشعر بآلام الفقراء والمحرومين.
الزكاة: تطهير المال والنفس
الزكاة ليست ضريبة مالية، بل هي عبادة ذات بعد اجتماعي وروحي عميق. فالمقصد منها تطهير المال من الشبهات، وتطهير النفس من داء الشح والبخل، فضلًا عن إقامة مجتمع متراحم متكافل، حيث لا يبقى فقير محروم ولا محتاج منسي. والزكاة إذ تُؤخذ من أموال الأغنياء، تعود بالبركة عليهم أنفسهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾.
الحج: وحدة الأمة وتجديد العهد
الحج هو المقصد الأعظم للقاء الأمة على صعيد واحد، حيث تذوب الفوارق الطبقية والجغرافية واللغوية، فيتجلّى معنى الأخوة الإسلامية والوحدة الكونية. والمقصد الأسمى منه أن يتذكر الحاج أنه غريب في الدنيا، وأن النهاية إلى الله، فيخلع عن نفسه ثياب الزينة والرياء، ويقف بعرفات في مشهد يذكّره بيوم المحشر. إنه تجديدٌ للعهد مع الله، وعودةٌ إلى الفطرة الأولى.
البعد الجامع لمقاصد العبادات
إذا جمعنا هذه المقاصد، نجد أنها تصب في تحقيق معنى واحد: صلاح الفرد وصلاح المجتمع. فالصلاة تزكي القلب، والصيام يدرّب الإرادة، والزكاة تطهّر المال والنفس، والحج يوحّد الأمة. وهكذا تتكامل مقاصد العبادات لبناء إنسانٍ متوازن، متصل بربه، نافعٍ لمجتمعه، صامدٍ أمام نوازع الشر والهوى.
ولذلك كان فهم مقاصد العبادات ضرورة، لأنه يحمي من الانزلاق إلى الشكلية الفارغة، ويعيد للعبادة دورها الأصيل في تربية الإنسان وصناعة حضارة الخير.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | المقاصد الشرعية, فقه المقاصد



