![]()
الحلم الذي فتح قلب عالمٍ يهودي
مع زيد بن سعنة
في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تتجلى مواقف لا تُنسى، تقف فيها الأخلاق مقام الدعوة، وتكون الحِلم والرحمة أبلغ من آلاف الخطب والمواعظ. ومن تلك المواقف الخالدة قصة زيد بن سعنة، العالم اليهودي الذي دخل الإسلام لا إعجابًا بحجةٍ عقلية، بل تأثرًا بخلقٍ ربانيٍّ لا يصدر إلا عن نبيٍّ مؤيَّد بالوحي.
زيد بن سعنة.. الباحث عن الحقيقة
كان زيد بن سعنة من كبار أحبار اليهود في المدينة، وقد قرأ أوصاف النبي المنتظر في التوراة، فوجدها كلّها في محمد صلى الله عليه وسلم إلا خصلتين أراد أن يختبرهما بنفسه:
أن حلمه يسبق غضبه، وأن شدة الجهل لا تزيده إلا حلمًا.
فقال في نفسه: “سأختبره لأعلم أهو النبي حقًّا أم لا”.
الاختبار الجريء
جاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحين موعد سداد دَينٍ له، فأمسك بثوبه الشريف وجذبه بشدة وقال بلهجة قاسية:
“يا محمد، ألا تقضيني حقي؟ فو الله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا مطلًا!”
فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: “يا عدو الله، تقول لرسول الله ما أسمع؟! والله لولا ما أحاذر ضرب عنقك!”
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر وقال في هدوءٍ عجيب:
“أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الطلب.”
ثم أمر النبي أن يُعطى زيدًا ماله وزاده عشرين صاعًا فوقه مكافأةً لما أفزعه عمر.
لحظة النور.. إسلام زيد
ما إن رأى زيد هذا الموقف حتى أشرق قلبه بنور اليقين، وقال:
“يا محمد، إن في كتبنا من صفاتك: أن حلمك يسبق غضبك، وأن شدة الجهل لا تزيدك إلا حلمًا، وقد رأيت اليوم منك ما يحققها كلها، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.”
ثم أعلن إسلامه، وخرج يجاهد في سبيل الله حتى استُشهد في غزوة تبوك رضي الله عنه.
دروس خالدة من موقف النبوة
إن هذا المشهد النبوي يختصر جوهر الرسالة المحمدية، إذ يعلّمنا أن الحلم ليس ضعفًا، بل هو أعظم سلاحٍ في كسب القلوب.
لقد كان في الكلمة الهادئة التي نطقها النبي ما هزّ قلب عالمٍ يهوديٍّ وأزال من صدره غشاوة قرون من العداء.
فبهذا الحلم فتح النبي باب الإيمان لعقلٍ كبيرٍ من أهل الكتاب، وأثبت أن الدعوة الحقيقية تبدأ من خُلق صاحبها قبل لسانه.
إنها رسالة خالدة إلى كل داعيةٍ ومربٍّ ومعلم:
أن العلم لا يثمر بلا خلق، وأن الغضب يهدم ما يبنيه الحلم، وأن القلوب لا تُفتح بالقوة بل بالرحمة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التسامح النبوي, القدوة النبوية, حلم النبي, زيد بن سعنة



