![]()
مع الأعرابي الجافي: حكمة المعلم الذي لا يغضب
في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مشاهد تربوية خالدة، تتجلّى فيها عظمة الحِلم، وسَعة الصدر، وحكمة القيادة، ومن أروعها ما كان مع ذلك الأعرابي الجافي الذي جذب رداء النبي حتى أثّر في عنقه الشريف، وقال بغلظةٍ جافّة: «يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك!»، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وابتسم، وأمر له بالعطاء.
الموقف الذي كشف جوهر النبوة
لم يكن هذا الموقف حادثة عابرة من جفاء أعرابيٍّ اعتاد الغلظة في القول، بل كان مشهدًا يختبر خلق الرحمة في قلب النبي، ويكشف كيف تتحول الإساءة عند العظماء إلى درسٍ في التربية واللطف.
لقد قابل النبي الجفاء بسماحةٍ تفيض حنانًا، والغلظة بابتسامةٍ تُطفئ الغضب، فغدت تلك اللحظة مدرسة خالدة في فن التعامل مع الخطأ دون انتقام ولا انفعال.
الأعرابي وسلوك الفطرة
الأعراب كانوا أهل بداوةٍ لا يعرفون رهافة الحضر ولا آداب المجالس، وكان فيهم جفاء الفطرة وبساطة الطبع. ومع ذلك لم يوبّخ النبي الأعرابي، ولم يقل له “أما تعرف من تكلم؟” بل احترم جهله وأصلح خطأه بالحكمة.
إنه يعلّمنا أن الجهل لا يُواجه بالعقوبة، بل بالتربية، وأن النفوس القاسية تحتاج إلى رحمةٍ مضاعفة لا إلى غضبٍ مضاعف.
بلاغة التعليم بالموقف
في هذا الحدث القصير تتجلى بلاغة التعليم النبوي، فالنبي لم يُلق درسًا نظريًا، بل جعل من الحادثة نفسها درسًا تطبيقيًا في الأخلاق، يعلم الأمة أن المعلم الحقيقي لا يغضب لنفسه، بل يرحم الجاهل ويهدي المخطئ.
وقد صدق قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت معلِّمًا»، فالمعلم في الإسلام لا يقتصر على التلقين، بل هو قدوة في السلوك وضبط النفس.
دروس خالدة من موقف واحد
من هذا الموقف الجليل نتعلم أن:
- الحلم أقوى من الغضب، وأن اللين في موضع الشدة يصنع القلوب قبل أن يصنع النتائج.
- القائد المربي هو من يُهذّب النفوس بالفعل قبل القول.
- الإحسان في موضع الإساءة مفتاحٌ لتحويل العداوة إلى محبة، والنفور إلى انتماء.
هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزداد على الجهل إلا حلمًا، ولا على الأذى إلا صفحًا، ولا على الإساءة إلا إحسانًا.
فما أحوج المربين والدعاة اليوم إلى أن يتعلّموا من هذا المشهد النبوي كيف يكون الحلم قوة، والتسامح رسالة، والتعليم سلوكًا حيًا يلمس القلوب قبل الأسماع.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأخلاق النبوية, التربية النبوية, التسامح في الإسلام, حلم النبي, مع الأعرابي الجافي



