![]()
معركة النهروان.. المواجهة الكبرى مع الخوارج
معركة النهروان واحدة من أكثر المعارك حساسية في التاريخ الإسلامي، وقعت في عهد الخليفة الراشد الرابع، الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانت فاصلة في مسيرة الصراع مع “الخوارج”، الذين خرجوا على خلافته بعد أن كانوا من أتباعه. تحمل هذه المعركة دلالات سياسية ودينية عميقة، ما زال أثرها حاضرًا في فهم العلاقة بين السلطة والتمرد باسم الدين.
خلفية المعركة:
بعد معركة صفين سنة 37 هـ بين الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان، وُضعت الحرب مؤقتًا جانبًا باتفاق التحكيم بين الطرفين. لكن هذا القرار لم يُرضِ بعض أتباع علي، فخرجت جماعة من جيشه – عُرفت لاحقًا بـ”الخوارج” – واعتبروا أن التحكيم “حكم الرجال في دين الله”، ورفعوا شعارهم الشهير: “لا حكم إلا لله”، مكفرين عليًّا وكل من قبل التحكيم.
حاول الإمام علي إقناعهم بالحجة، وأرسل إليهم عبد الله بن عباس، فجادلهم ورد عليهم بالحكمة، فعاد بعضهم. إلا أن طائفة كبيرة منهم تمركزت في منطقة “النهروان” قرب بغداد، وظلت تثير القلاقل وتكفر المسلمين وتستحل دماءهم، وترتكب الاغتيالات، ومنها قتل عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته الحامل بوحشية.
تفاصيل وأحداث المعركة:
التاريخ: وقعت في سنة 38 هـ.
المكان: منطقة النهروان شرق نهر دجلة، بين الكوفة وبغداد.
الطرفان: جيش الإمام علي بن أبي طالب: يضم الصحابة والتابعين، ويعد من أقوى جيوش الخلافة.
الخوارج: وهم قرابة 4000 مقاتل، شديدي التمسك برؤيتهم، متعصبين.
وعندما تأكد علي، من خطرهم وتكرار جرائمهم، قرر التحرك لردعهم بعد أن رفضوا كل محاولات الصلح. قبل القتال، أرسل الإمام علي رسالة للموعظة، وأمهلهم للتراجع، فانشق منهم نحو 1000 رجل، وبقي 3000 أصرّوا على القتال. وبدأت المعركة بسرعة، واستمرت ساعات قليلة، كانت الغلبة فيها لجيش الإمام علي، فقُتل من الخوارج قرابة 2500، ولم ينجُ منهم إلا القليل، بينما استشهد من جيش الإمام علي نحو 10 رجال فقط.
دلالات ومعاني المعركة:
الانحراف باسم الدين: أظهرت النهروان كيف يمكن أن يؤدي الغلو الديني والتكفير إلى الفوضى وسفك الدماء.
القيادة بالحكمة: تعامل الإمام علي مع الخوارج أولًا بالحوار والدعوة، ولم يقاتلهم إلا بعد أن سفكوا الدماء وخرجوا على النظام.
الفتنة الكبرى: كانت جزءًا من سلسلة أحداث الفتنة بعد مقتل الخليفة عثمان، وشكّلت انعطافة في الصراع السياسي والفكري في الدولة الإسلامية.
التحذير النبوي: أشار النبي ﷺ في أحاديث صحيحة إلى فئة “يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”، وقد فسرها كثير من العلماء بأنهم الخوارج الذين قاتلهم علي.
العدالة في الحرب: رغم فظائعهم، أمر علي ألا يُجهز على جريح منهم، ولا يُتبع فارّ، ولا تُسلب جثثهم، ليعطي مثالًا في الأخلاق حتى في المعارك.
معركة النهروان، لم تكن مجرد صدام عسكري، بل كانت معركة فكرية وعقائدية تُبرز كيف واجه الإمام علي الفتنة بالحكمة أولًا، وبالقوة حين تعذّر الإصلاح. ظلت دروسها قائمة لتؤكد أن الغلو والتكفير خطر على الدين والمجتمع، وأن العدل والوسطية هما صمام الأمان للأمة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | غزوات الرسول, معركة النهروان



