![]()
مشية النبي
كأنما ينحط من صبب ويُزيل عن الطريق الأذى
كانت مشية النبي صلى الله عليه وسلم هي لغة الجسد الصامتة، والبيان الذي ينطق بالروح قبل اللسان، فيها تظهر عزيمة المرء أو وهنه، وقوته أو ضعفه، ووقاره أو استخفافه. وفي مشية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت هناك منظومة بصرية تروي قصة التوازن بين قوة الجسد وروحانية القلب، بين عزة الرسول وتواضع الإنسان. لم تكن خَطْواً عادياً، بل كانت دروساً متحركة في الهيبة والرحمة والجدية.
هيبة كالسحاب الماطر
إذا رأيته صلى الله عليه وسلم ماشياً، حسبته ينحدر من صعداء، لا يستطيع أحدٌ من رفقائه أن يلحق به إلا بمشقة. كانت مشيته مشيةَ القوي الأمين، الممتلئ عزيمةً وثباتاً. كأنما الأرض تُطوى له طياً، خطواتٌ واسعةٌ حاسمة، تُظهر الجدية في السير والاستعداد لما هو آت. لم تكن متثاقلة ككسَلان، ولا خفيفة كهازئ، بل كانت وسطاً، تجمع بين قوة الأوصاب ورشاقة الأرواح. كانت هيبةً لا تفزع، ووقاراً لا يتباعد، تشعر وأنت تراه ماشياً أنك أمام رجل يعلم من أين جاء، وإلى أين هو ذاهب.
التواضع: حين تلامس القدمان الأرض بكلِّ وقار
رغم تلك الهيبة العالية، كانت مشيته صلى الله عليه وسلم تفيض تواضعاً يذيب المسافات بين القلوب. لم يكن يختال على الناس مشياً، ولا يرفع قدميه رفعاً يُظهر الكبر أو الاحتقار. بل كان كأنما يمشي في صعدٍ، يرفع رجليه من الأرض رفعاً رفيقاً، ويضعهما وضعاً وَطِئاً، لا إسراع يثير الغبار، ولا بطء يبعث على الملل. كان يتوكأ على أصحابه أحياناً، لا يستعلي عليهم، فكانت مشيته معهم درساً في الأخوة والتآخي، تعلو فيها منزلة الروح على منزلة الجسد.
العدل في الحركة: مشيةٌ تكاد تُطابق الآخرى
كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى، مال إلى الأمور كله، لم يكن مائلاً إلى أحد شقيه، بل كان عدلاً في هيئته، معتدلاً في حركته. وكان إذا مشى،移動ه كأنما ينحدر من صببٍ، أي من مكان مرتفع، ليس فيه تعثر ولا اضطراب. وكانت خطواته متقاربة متوازنة، تكاد القدم تتبع القدم في نظام بديع. هذه المشية المعتدلة تعكس توازن الشخصية واتزان الخلق، فلم يكن فيه إفراط ولا تفريط، لا في مشيته، ولا في أخلاقه، ولا في تشريعه. إنها العدالة المتجسدة في كل شيء.
إماطة الأذى: الأخلاق تمشي على قدمين
لم تكن مشيته صلى الله عليه وسلم مجرد حركة عابرة، بل كانت سلوكاً أخلاقياً عملياً. فها هو عليه الصلاة والسلام يرى غصن شوك في الطريق، فينحني بجسده الكريم، لا يستنكف ولا يستكبر، فيزيحه عن طريق الناس. في هذا المنظر لوحة أخلاقية كاملة: إنها الرحمة العملية، والحرص على سلامة الآخرين، وتحويل كل لحظة عابرة إلى عبادة، وكل حركة إلى منفعة. لقد علمنا أن الإيمان ليس فقط في المساجد، بل وفي الشوارع، حيث تمشي القدم ويمتد الأذى.
خاتمة:
مشية النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد سير، بل كانت رسالة. رسالةٌ تُقرأ في كل خطوة: رسالة الجدية، والتواضع، والاتزان، والرحمة. في عالمنا اليوم، حيث تسود العجلة والاصطدام والأنانية، تبقى مشيته تذكيراً لنا بأن نتحكم في خطواتنا، ونوازن في حركاتنا، ونجعل من سيرنا في الأرض نفعاً للناس وصورةً مشرقة لأخلاقنا. فلنحاول أن نقتفي أثره، ولو في أدب المشي، فلعل في ذلك إحياءً لسنته، وتذكيراً بصورته.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | النبي محمد, شمائل الرسول, صفات النبي, مشية النبي



