![]()
مسجد الضرار..
حين يُشيَّد البنيان وتغيب النيّات
لم يكن المسجد في الوعي الإسلامي يومًا مجرد جدران تُقام، ولا سقف يُرفع، بل كان دائمًا مرآةً للنيّات، وميدانًا تختبر فيه القلوب قبل الأقدام. ومن بين القصص القرآنية التي كشفت بجلاء خطورة توظيف الدين في غير مقاصده، تبرز قصة مسجد الضرار، لا بوصفها حادثة تاريخية عابرة، بل باعتبارها درسًا دائم الحضور، يتجاوز الزمان والمكان، ويخاطب كل مجتمع يرفع الشعارات دون أن يفتش عن المقاصد.
السياق التاريخي لبناء مسجد الضرار
في أواخر العهد النبوي بالمدينة، وبينما كانت الدولة الإسلامية تشتد عودًا وتتماسك صفوفًا، برزت فئة المنافقين بوصفها التحدي الأخطر من داخل الصف. هؤلاء لم يواجهوا الإسلام بالسيف، بل بالمكر والتخطيط الناعم، وكان من أبرز محاولاتهم بناء مسجد ظاهرُه العبادة وباطنه التفريق. اختاروا موقعًا قريبًا من مسجد قباء، وبنوا بناءً يبدو في صورته امتدادًا طبيعيًا لعمران المدينة، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه الصلاة فيه، ليكسبوا بذلك شرعية دينية تُمكّنهم من تمرير مشروعهم.
النية حين تُحوِّل العبادة إلى أداة
القرآن الكريم لم يلتفت إلى شكل البناء ولا إلى اسمه، بل كشف عن النية التي قام عليها، فجاء الوصف حاسمًا: ضرارًا، وكفرًا، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله. هنا تتجلى خطورة العبادة حين تُفرغ من مقصدها، وتُستعمل غطاءً لمشروعات الهدم. فالمسجد، وهو رمز الوحدة، تحوّل في هذا السياق إلى أداة انقسام، والذكر إلى وسيلة تضليل، والجماعة إلى ستار لتمزيق الصف. وهذه النقطة هي جوهر القصة، حيث يُعاد تعريف القداسة لا بما يُرفع من شعارات، بل بما يُضمر من مقاصد.
الموقف النبوي بين الحكمة والحسم
لم يتعجل النبي صلى الله عليه وسلم في إصدار حكمه، ولم ينسق خلف الظاهر، بل انتظر الوحي، في مشهد يعلّم الأمة أن القضايا الكبرى لا تُدار بالعاطفة وحدها. وحين نزل القرآن كاشفًا الحقيقة، جاء القرار حاسمًا لا لبس فيه، برفض الصلاة في المسجد، والأمر بهدمه. لم يكن ذلك عداءً للمساجد، بل دفاعًا عن معناها الحقيقي. فالهدم هنا لم يكن هدم حجارة، بل إسقاط مشروع يقوم على الخداع واستغلال الدين. وفي هذا الموقف يتجلى توازن دقيق بين الحكمة في التريث، والحزم في المواجهة حين تتضح الرؤية.
الدلالات المعاصرة لقصة مسجد الضرار
قصة مسجد الضرار لا تقف عند حدود التاريخ، بل تمتد دلالاتها إلى واقع تتكرر فيه المحاولات بأشكال مختلفة. فكم من مؤسسات، أو منابر، أو مبادرات تُرفع باسم الخير، بينما تُدار في الخفاء بمنطق الإقصاء والتفريق. وكم من خطاب ديني أنيق في لغته، لكنه مُثقل بأجندات تُخاصم مقاصد الشريعة في الوحدة والعدل والرحمة. هنا يأتي درس مسجد الضرار ليؤكد أن البناء الحقيقي هو بناء الإنسان، وأن أي عمل ديني ينفصل عن مقاصده العليا يتحول من عبادة إلى عبء، ومن نعمة إلى فتنة.
كما تضع القصة معيارًا بالغ الأهمية في التمييز بين النقد المشروع والهدم المتعمد، وبين الغيرة على الدين واستغلاله. فليس كل ما يُعارض يُهدم، وليس كل ما يُرفع يُقدَّس. الميزان هو المقصد، والفيصل هو الأثر، والحكم النهائي هو ما يُحدثه الفعل في وحدة المجتمع وسلامة الدين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | البناء الديني, التفريق بين المؤمنين, السيرة النبوية, النفاق في الإسلام, دروس قرآنية, قصة مسجد الضرار, مسجد الضرار, مقاصد الشريعة



