![]()
مراتب المقاصد عند الإمام الشاطبي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات
مراتب المقاصد عند الإمام الشاطبي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات
تُعدّ نظرية المقاصد من أبرز الأسس المنهجية في الفكر الأصولي الإسلامي، وقد كان للإمام الشاطبي (ت: 790هـ) دورٌ رائد في بلورتها وتفصيلها، خاصة في كتابه العظيم “الموافقات”.
ومن المسائل الجوهرية التي تناولها الشاطبي تقسيم المقاصد الشرعية إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، وبيان أثر هذا التصنيف في فهم الشريعة وتطبيقها.
أولًا: المراتب الثلاث لمقاصد الشريعة
قسم الإمام الشاطبي مقاصد الشريعة إلى ثلاث مراتب، مرتبة بحسب درجة الحاجة إليها في حفظ نظام الدين والدنيا:
الضروريات: وهي المصالح التي لا يُستغنى عنها في قيام حياة الناس، وإذا فقدت اختل نظام الحياة واختلّ الدين والدنيا. وتدور حول خمسة مقاصد معروفة:
حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال.
ويتم حفظ هذه المقاصد عبر:
جانب الوجود: بإقامة أركانها وتعزيزها، كالإيمان لحفظ الدين، وتناول الطعام لحفظ النفس.
جانب العدم: بدرء ما يهددها، كتحريم القتل لحفظ النفس، وتشريع القصاص والديات والجنايات لحفظ الجميع من الإبطال.
الحاجيات: وهي ما يحتاج إليه لرفع الحرج والمشقة، وإن لم تُفقد الحياة بانعدامها، إلا أن بقاءها يسهل المعيشة ويخفف المشقة.
من أمثلتها:
في العبادات: الرخص كالفطر في الصوم للمريض والمسافر.
في العادات: كإباحة الصيد.
في المعاملات: كجواز المضاربة والقراض.
في الجنايات: كقبول اللوث في إثبات القتل عند فقدان البينة.
التحسينيات: وهي ما يُقصد بها مكارم الأخلاق وتحسين العادات وتهذيب النفوس، ولا يلزم من فقدها حرج أو مشقة.
من صورها:
في العبادات: إزالة النجاسات.
في العادات: آداب الأكل واللباس.
في المعاملات: منع بيع النجاسات.
في الجنايات: كمنع قتل الحر بالعبد.
تكامل مراتب المقاصد
وقد نبّه الشاطبي إلى أن كل مرتبة من هذه المراتب قد تنضم إليها تكملة تعضدها، مثل:
التماثل في القصاص تكملة لحفظ النفس “ضمن الضروريات”.
اعتبار الكفاءة في النكاح تكملة لحفظ النسل والكرامة “ضمن الحاجيات”.
الطهارات المندوبة تكملة للزينة الشرعية “ضمن التحسينيات”.
هذه التكميلات لا تُعدّ مستقلة، بل هي من لوازم المقاصد الأساسية وتدور معها وجودًا وعدماً.
ضوابط اعتبار التكميلات
وقد أكد الشاطبي على أن كل مصلحة تكميلية مشروطة بألا تُبطِل الأصل الذي تتبعه. وعلل ذلك بأمرين:
إبطال الأصل يؤدي إلى سقوط التكملة نفسها، لأنها تابعة في الاعتبار.
إذا تعارضت مصلحة تكميلية مع أصل ضروري، كانت المحافظة على الضروري أولى، لأنه الأساس الذي تقوم عليه المصلحة الكبرى.
ومثال ذلك:لا يُمنع الزواج من غير الكفء إذا خشي بذلك الوقوع في الفتنة أو تعطيل النكاح، لأن الضروري في النكاح أولى من التحسيني في الكفاءة.
وختاما: إنّ تقسيم المقاصد إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، كما قرّره الإمام الشاطبي، لا يعدّ مجرد تصنيف نظري، بل هو قاعدة أصولية دقيقة في فهم الشريعة ومقاصدها وأولوياتها. ويبرز هذا التصنيف دور الشريعة في تحقيق مصالح الإنسان على درجات متفاوتة، تجمع بين الحماية والرعاية والتحسين. كما أنه يقدّم بوصلةً مهمة في الاجتهاد المعاصر عند تعارض المصالح أو تزاحم الأولويات.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أهمية فقه المقاصد, الإمام الشاطبي



