محمد بن سيرين.. الإمام الزاهد والمفسر المحدث المعبر الفقيه

بزغ في سماء العلم نجم العالم الزاهد محمد بن سيرين الذي جمع بين حرارة الذكاء ونقاء السريرة، وبين عمق الفقه وصدق الزهد، حيث عاش في البصرة شابٌّ جعل من حلقات العلم مأواه....
محمد بن سيرين.. الإمام الزاهد والمفسر المحدث المعبر الفقيه

محمد بن سيرين.. الإمام الزاهد والمفسر المحدث المعبر الفقيه

بزغ في سماء العلم نجم العالم الزاهد محمد بن سيرين الذي جمع بين حرارة الذكاء ونقاء السريرة، وبين عمق الفقه وصدق الزهد، حيث عاش في البصرة شابٌّ جعل من حلقات العلم مأواه، ومن عبادة الله أنسه، ومن نصح الناس رسالته، حتى عُرف بين معاصريه بالثبات على الحق والإعراض عن زخارف الدنيا.

لم يكن علمه زخرفًا للجدل ولا رياءً يطلب به وجاهةً أو سلطانًا، بل كان علمًا ممزوجًا بخشيةٍ صادقة، وزهدٍ يتجلّى في كل موقف، حتى صار الورع له طبعًا لا تكلفًا، والتقوى له سلوكًا لا ادّعاء. وكان إذا ذكر المال والربح تذكّر حدود الحلال والحرام قبل أن يفكّر في الكسب، وإذا ذُكرت المناصب تذكّر عدل الله وميزان الآخرة قبل أن يفكر في سلطان الدنيا.

وفي ظل هذا المزيج الفريد من العلم والورع، برزت له ملكة أخرى ميزته بين علماء عصره، فصار الناس يقصدونه لتأويل الرؤى وتفسير الأحلام. ولم يكن في ذلك متكلفًا أو مدّعيًا، وإنما كان ينظر إليها بفقهٍ يستنير بنور القرآن والسنة، فيردّها إلى أصول الشريعة، ويضبطها بميزان التقوى، حتى غدا اسمه مقترنًا بصدق التأويل كما اقترن بصدق الزهد والعلم.

النشأة وطلب العلم

وُلد محمد بن سيرين في البصرة سنة 32 هـ، في بيتٍ تحوطه التقوى من كل جانب؛ فوالده سيرين كان مملوكًا لأنس بن مالك الصحابي الجليل فأعتقه بعد عين التمر، وأمه صفية كانت من إماء أبي بكر الصديق رضي الله عنه. في تلك البيئة التي امتزجت فيها أنوار الصحبة بصفاء الورع، نشأ الفتى يتلمّس خطاه نحو العلم، متعطشًا لما عند أصحاب رسول الله ﷺ من ميراث النبوة.

جلس بين أيدي الكبار: أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، فنهل من معينهم الصافي، وحمل عنهم الفقه والحديث والتفسير. وما إن اشتد عوده حتى صار مرجعًا في علوم الدين، يأوي إليه طلاب العلم في البصرة وما حولها، فانبثق من مجلسه رجال كان لهم شأن في نشر العلم، كقتادة بن دعامة وأيوب السختياني وابن عون وغيرهم.

شهرته ومكانته العلمية

ذاع صيته في البصرة، ثم في سائر الأمصار الإسلامية، حتى غدا علمًا على الورع والصدق. كان صريحًا في الحق، لا يلين في مواجهة الظلم، ولا يساوم على دينه، ولو كان في ذلك غضب السلاطين أو الولاة. ولذا صار مثالًا للعالم العامل، الذي يجمع بين الفقه الراسخ والموقف الأخلاقي الثابت.

لم يكن منقطعًا عن شؤون الدنيا، فقد كانت له تجارة يعتاش منها، لكنها لم تَشغَلْه عن مراقبة الله. وقد رُوي عنه أنه اشترى زيتًا بأموال مؤجّلة، فلما تبيّن فيه نجاسة لم يحتسب الربح، بل أراق الزيت كله، إيثارًا للصدق ونفورًا من الشبهة. هكذا كان ابن سيرين: يقدّم طهارة الضمير على مصالح الكسب، ويجعل من ورعه نبراسًا يسير به في ظلمات الفتن.

وكانت مجالسه في الأسواق لا تقل أثرًا عن مجالس العلم؛ إذ كان يذكّر الناس بالله، وينبه الغافلين، ويجعل من الحياة اليومية ساحة دعوة ووعظ. فاجتمع له بذلك احترام العامة والخواص، حتى صار ذكره مقترنًا بالصدق والعدل أينما ذُكر اسمه.

علمه في تفسير الأحلام

ومع ما حازه من مكانة في التفسير والفقه والحديث، فقد اشتهر أكثر بتأويل الرؤى. لم يتعامل مع الأحلام بوصفها ألغازًا غامضة أو طقوسًا سحرية، وإنما ردّها إلى أصول الشرع والحكمة. فإذا قصّ عليه أحدهم رؤيا، قاسها بمعايير الكتاب والسنة، واستأنس بما ورثه من علم الصحابة، فأعطى لكل رمز دلالته، ولكل رؤيا حكمها، بميزان لا يحيد عن الجادة.

وهكذا صار مرجعًا في هذا الباب، يقصده الناس من كل صوب، يبحثون عن التفسير كما يبحثون عن الطمأنينة. وكان يوصيهم دائمًا أن لا يعلّقوا قلوبهم بالأحلام أكثر مما يعلّقونها بالعمل الصالح، فالرؤيا الصادقة بشارة، لكن النجاة في طاعة الله.

أثره وإرثه

لم يكن محمد بن سيرين مجرّد عالم بين العلماء، بل كان مدرسة في ذاته، تجتمع فيها عناصر القدوة من علم وزهد وصدق وورع. ترك للأمة ميراثًا روحيًا لا ينحصر في كتبه أو أقواله، بل يمتد إلى صورته الحيّة لعالمٍ يعيش ما يعلّم، ويترجم التقوى إلى سلوك يومي لا إلى كلمات منبرية فحسب.

رحل الإمام الزاهد عام 110 هـ، لكن سيرته بقيت حيّة تتناقلها الألسن والكتب، وتظلّ درسًا للأجيال بأن العلم إذا لم يُقرن بالزهد فهو وبال، وأن الزهد إذا لم يستنر بالعلم فهو انقطاع، وأن اجتماع الاثنين معًا هو سرّ الخلود في ذاكرة الأمة.

 

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك