![]()
ما قل وكفى خير مما كثر وألهى
دعا الإسلام إلى الزهد في الدنيا بمعناه الصحيح، وهو عدم الانشغال المفرط بها أو التعلق القلبي بمتاعها الزائل، دون أن يعني ذلك ترك العمل أو التكسب، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العديد من الأحاديث التي تحث على الزهد والرضا بما قسمه الله للعبد، ومن أبرزها قوله: “ما طلعت شمس قط إلا بجنبتيها ملكان يناديان يُسمعان مَن على الأرض غير الثقلين: أيها الناس.. هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى” (رواه أحمد وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
ويشير الحديث الشريف إلى أن ما يكفي الإنسان من الدنيا خير من الكثير الذي يشغله عن الآخرة. فالكثير من الناس ينشغلون بتحصيل المال والجاه، ويجعلون الدنيا أكبر همهم، فيلهثون خلفها دون نهاية، كما قال الشاعر:
“فما قضى أحدٌ منها منالتهُ
ولا انتهى أربٌ إلا إلى أربِ”
فمن شغل قلبه بالدنيا وأجل الطاعات إلى وقت الفراغ فلن يفرغ أبدًا، لأن متطلبات الدنيا لا تنتهي. لذا، فإن من الحكمة أن يجعل المؤمن همّه في رضا الله، فيتولى الله أمر دنياه وآخرته.
وقال رسول الله: “من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى” رواه أحمد. وهذا الحديث يبين أن الجمع بين التعلق بالدنيا والحرص على الآخرة لا يستقيم؛ لأن القلب لا يتسع لهما معًا، ومن أراد رضا الله عليه أن يقدم الآخرة على الدنيا.
الزهد لا يعني ترك العمل بل التحرر من التعلق
قد يظن البعض أن الزهد يعني ترك العمل والسعي، وهو فهم خاطئ. فالزهد لا يتعارض مع التكسب المشروع والسعي في طلب الرزق، بل المقصود منه هو عدم جعل الدنيا هدفًا ومعبودًا. قال تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ” الملك:15. كما قال سبحانه: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ” الأعراف:32. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسعي، فقال: “احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز” رواه مسلم.
فمن المهم أن تكون الدنيا في يد المسلم لا في قلبه. فالشرع عاب من جعل الدنيا غايته، يفرح لزيادتها ويحزن لنقصها، بينما لا يهتم إذا ضيّع فريضة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة…” رواه البخاري.
وعليه.. خلق الزهد في الإسلام لا يعني الانعزال عن الدنيا، بل يعني التعامل معها بحكمة، وألا تكون أكبر همّ الإنسان. فالمسلم الحق يسعى في دنياه، ويتزود منها لآخرته، دون أن يضيع حق الله أو يتورط في معصية لأجل الدنيا. هو توازن يحقق الطمأنينة ويقود إلى رضا الله والفوز بالجنة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الزهد في الاسلام, الزهد في الدنيا, خلق القناعة



