![]()
لماذا يُصرّ الغرب على نشر العولمة في المجتمعات المسلمة؟
لماذا يُصرّ الغرب على نشر العولمة في المجتمعات المسلمة؟
منذ بدايات القرن العشرين، لم تعد العولمة مجرّد مفهومٍ اقتصاديٍّ أو ظاهرةٍ ثقافيةٍ عابرة، بل تحوّلت إلى مشروعٍ فكريٍّ موجه، يتّخذ من حرية السوق والانفتاح الثقافي غطاءً لهيمنةٍ ناعمةٍ تُعيد صياغة الوعي الإنساني وفق النموذج الغربي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا يبدو الغرب أكثر إصرارًا على تصدير أفكار العولمة إلى العالم الإسلامي تحديدًا، رغم اختلافه الجذري عن منظومته الحضارية والقيمية؟
لأن الإسلام يملك منظومة بديلة للحياة
العولمة في جوهرها تقوم على نزع المرجعية الدينية من الحياة العامة، وتحويل الإنسان إلى فردٍ معزولٍ عن قيمه ومجتمعه، غايته الاستهلاك والمتعة.
أما الإسلام، فهو يقدم منهجًا شاملًا للحياة يوازن بين المادة والروح، ويُخضع الاقتصاد والأخلاق والسياسة لسلطان القيم الإلهية.
ولذلك يرى الغرب في المجتمعات المسلمة نموذجًا حضاريًا منافسًا، لا يمكن التعايش معه إلا بعد تحييده ثقافيًا، عبر تفكيك مفاهيمه العقدية والاجتماعية واستبدالها بمفاهيم العولمة المادية.
لأن المجتمعات المسلمة ما زالت تملك مناعة ثقافية
رغم ما أصاب الأمة من ضعفٍ وتشتت، إلا أن شعوبها ما زالت تحتفظ بقدرٍ كبير من الهوية الدينية والروابط الأسرية.
وهذه المناعة تشكل عقبة أمام اختراق السوق الثقافية الغربية، التي تقوم على التفكيك الفردي وتقديس الحرية المطلقة.
لذا، تُصرّ العولمة الغربية على اختراق هذه البنية من الداخل، بتغيير أنماط التعليم والإعلام، وإعادة تعريف مفاهيم مثل الحرية، والمرأة، والهوية، حتى يصبح المسلم يرى نفسه بعين الغرب لا بعين عقيدته.
السيطرة الفكرية أرخص من الاحتلال العسكري
تعلم القوى الغربية أن الجيوش لم تعد الوسيلة الأنجع لبسط النفوذ.
لقد جُرّب الاحتلال العسكري فكانت كلفته باهظة، أما الاحتلال الفكري والاقتصادي فنتائجه أعمق وأبقى.
فحين يتبنى المسلم أفكار العولمة، يصبح مستهلكًا لمنتجاتها المادية والرمزية دون مقاومة، ويُسهم طوعًا في تعزيز اقتصاد من يهيمن عليه ثقافيًا.
إنها حرب بلا دماء، تُبدّل الوعي وتستبدل القيم دون أن يشعر الناس أنهم يُغزون.
الغرب يسعى لتوحيد العالم تحت مركزٍ حضاري واحد
العولمة ليست فقط حركة تبادلٍ اقتصادي، بل مشروعٌ لتوحيد أنماط التفكير والسلوك حول المركز الغربي.
إنها تسعى إلى عالمٍ يتكلم لغة واحدة، ويستهلك الفن نفسه، ويؤمن بالقيم نفسها — قيم السوق واللذة والمنفعة.
لكن العالم الإسلامي، بتاريخِه وإيمانه وقيمه، يرفض الذوبان، لأنه يملك تصورًا آخر للإنسان والحياة والغاية.
ولذلك يظلّ الهدف الغربي من العولمة هو تفريغ هذا الوعي من محتواه الإسلامي، حتى لا يبقى في مواجهة المشروع الحضاري الغربي مشروعٌ منافس.
الإسلام.. آخر حصون المعنى في عالمٍ ماديٍّ
في النهاية، يدرك الغرب أن الإسلام لا يواجهه بالسلاح، بل بالمعنى.
فبينما تُنتج العولمة إنسانًا استهلاكيًا يبحث عن اللذة، يُنتج الإسلام إنسانًا رساليًا يبحث عن الحقيقة.
وبينما تقدّم العولمة جسدًا بلا روح، يقدم الإسلام روحًا تسمو على الجسد.
لهذا، تظل المجتمعات المسلمة الهدف الأشد مقاومة، والأكثر حاجة إلى الحصار الفكري الناعم، حتى يُعاد تشكيلها من الداخل على صورة الإنسان الغربي.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التغريب, العولمة, المجتمعات المسلمة, الهوية الإسلامية



