![]()
لباس الليل ومعاش النهار: قراءة في حكمة التقسيم الزمني الإلهي
لباس الليل ومعاش النهار: قراءة في حكمة التقسيم الزمني الإلهي
في انسيابية الليل والنهار وتعاقبهما، تمر علينا الأيام كأنها ظاهرة طبيعية عادية، نغفل عن تأملها. ولكن القرآن الكريم يوقفنا أمام هذه الآية الكونية المتكررة، ليكشف لنا عن حكمة بالغة وجمال أخّاذ في هذا التقسيم الرباني. فالله سبحانه لا يذكر الليل والنهار كمجرّد ظاهرة فلكية، بل يقدمهما في صورة نعيمين متكاملين، كلٌ منهما يحمل رسالة وغاية وجودية. إنه يدعونا إلى أن نقرأ الزمن ليس بأرقام الساعة، بل بعين القلب والبصيرة، لنكتشف كيف يصوغ هذا التعاقب إيقاع حياتنا ويسهم في تحقيق التوازن بين جسدنا وروحنا.
الليل: لباسًا للسكينة والروح
عندما يصف الله تعالى الليل بأنه “لباسًا” في قوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا}، فإنه يقدم لنا واحدة من أروع الصور البلاغية. فكما أن اللباس يستر الجسد ويوفر له الدفء والطمأنينة، فإن الليل بظلامه وهدوئه يستر الأرض ويغمرها بغطاء من السكينة. إنه وقت الانكفاء على الذات، والخلوة مع الخالق، وراحة الأجساد المتعبة. فالليل ليس فراغًا زمنيًا، بل هو محطة للتزود بالطاقة الروحية والعاطفية، حيث تهدأ النفوس، وتصفو القلوب، ويقع تجديد للهمم استعدادًا لمعانقة النهار.
النهار: معاشًا للعمل والعطاء
في المقابل، يأتي وصف النهار بأنه “معاشًا” ليرسم الغاية من وجوده. فكما أن “المعاش” هو ما تعيش به، فإن النهار هو رحلة الكدح والعمل والسعي في مناكب الأرض. إنه وقت انكشاف الأمور، ووضوح الرؤية، وبذل الجهد لتحصيل الرزق وخدمة المجتمع وبناء الأرض. هذا التوصيف يرفع من قيمة العمل، ويجعل من ساعات النهار رأس مال الإنسان في الدنيا، الذي إن أحسن استثماره كسب في معاشه ومعاده.
التعاقب: مدرسة في التوازن والتدبير
إن تكرار وتعاقب الليل والنهار ليس مجرد ظاهرة ميكانيكية، بل هو درس عملي في التوازن. فالإنسان مدعو لأن يوازن بين حق جسده في الراحة والاسترخاء (في الليل)، وحقه في العمل والسعي (في النهار). هذا الإيقاع المنتظم يحمي الإنسان من الإفراط في العمل الذي يؤدي إلى الإرهاق، أو الإفراط في الراحة الذي يؤدي إلى الكسل. إنه نظام إلهي يحقق الصحة النفسية والجسدية للإنسان.
آية للتذكر والاعتبار
لا ينفصل هذا التقسيم عن الغاية العظمى من خلق الإنسان. فتعاقب الليل والنهار بانتظام ودقة مذهلين هو آية دالة على عظمة الخالق وحكمته. يقول تعالى: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}. فهو يدعو الإنسان إلى التأمل في هذا النظام المحكم، ليزداد إيمانًا بخالقه، ويستشعر العناية الإلهية في كل تفصيلة من حياته.
انعكاس على منهج الحياة
هذا الفهم القرآني للزمن يدفعنا إلى إعادة تنظيم حياتنا وفق المنهج الرباني. فيعظم المسلم قيمة الوقت، فيحرص على اغتنام النهار في الطاعات والعمل النافع، ويجعل من الليل فرصة للعبادة والراحة والتواصل الأسري. بهذا يصبح يوم المسلم كله خيرًا وعطاء، وتتحقق الحكمة من وجوده في هذه الدنيا.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الحكمة من تعاقب الليل والنهار, الليل والنهار في القرآن, لطائف قرآنية



