![]()
قضاء الحائض الصلوات الفائتة..
رؤية تخالف المألوف
لم يكن قول الجمهور بأن الحائض لا تقضي الصلوات الفائتها مجرد رأيٍ من بين آراء، بل تحول بفعل التكرار والتدريس إلى ما يشبه “الحقيقة المطلقة” في الوعي الجمعي للأمة. هذا الإجماع الظاهري يستند إلى جملة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تفيد عدم وجوب القضاء، وأشهرها ما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها. لكن وراء هذا السَدَل الواسع من الإجماع، كانت هناك أصواتٌ خافتة، امتلكت جرأة فقهية لقراءة النصوص من زاوية مختلفة، معولةً على أدلة أخرى رأت فيها ما يوجب القضاء، معتبرين أن العبرة في النص لا في كثرة القائلين به.
بين دفع الحرج ووجوب الأداء: مقاربة المختلفين
ينطلق القائلون بوجوب القضاء من منطلقات أصولية مغايرة. فهم لا ينكرون وجود الرخصة، ولكنهم يفرقون بين “سقوط الأداء” وقت الحيض وبين “سقوط الفرض” نفسه. فالصلاة، في هذا التصور، فرض ملازم للمكلف لا يسقط عنه إلا بأدائها، والحيض عذرٌ مؤقت يمنع الأداء في وقته، لا يسقط الفرضية نفسها. وبهذه الرؤية، يصبح القضاء هو الوجه الشرعي لاستئناف ذلك الفرض المؤجل، تماماً كما يقضي الصائم يوماً أفطره في رمضان لعذر مقبول. إنها نظرة ترى في التكليف حملاً مستمراً، وفي الرخصة مجرد “إرجاء” لا “إسقاط”.
النص والرواية: أدلة الفريق المجاهد
يستند الموجبون للقضاء إلى جملة من الأدلة، بعضها من السنة وبعضها من المعقول. فمن السنة، يستدلون بحديث “دعي الصلاة أيام أقرائك، ثم اغتسلي وصلي”، ويرون في الأمر بـ “صلي” أمراً بإقامة الفرض، لا مجرد استئناف للصلاة المستقبلية. كما يقارنون بين الصلاة والصوم، فكما أن القضاء واجب في الصوم مع وجود العذر، فكذلك يجب في الصلاة قياساً. ويردون على أدلة الجمهور بأن النصوص الدالة على السقوط محمولة على سقوط الأداء في الوقت الحاضر، لا سقوط الفرض من الأصل، مؤكدين أن هذا الرأي وإن كان شاذاً، فهو رأي له حظ من النظر والاحتمال لا يمكن إهماله.
فقه التيسير وفقه التكليف: أين يتجه التوجه المعاصر؟
في سياق العصر الحديث، حيث تشغل قضايا المرأة وحقوقها حيزاً كبيراً، يثير هذا الرأي إشكاليات عملية وعاطفية. فكثير من النساء يرين في وجوب القضاء عبئاً ثقيلاً، خاصة مع تكرار الحيض طوال سنوات العمر. لكن أنصار الوجوب يردون بأن الشرع جاء بالتيسير لا بالإهمال، وأن القضاء يمكن أن يتم بتيسير ومرونة، دون حرج أو مشقة غير معتادة. ويبقى السؤال قائماً: أي الفقهين أكثر انسجاماً مع مقاصد التكليف بين التيسير على العباد والمحافظة على حقوق العبادة؟ إنها إشكالية تضعنا أمام تباين المناهج الاجتهادية واتساع مساحات الخلاف التي تميز تراثنا الفقهي الثري.



