![]()
قصة يونس عليه السلام بعد ابتلاع الحوت:
دروس في التوبة والرجوع إلى الله
قصة يونس عليه السلام بعد ابتلاع الحوت:
دروس في التوبة والرجوع إلى الله
تعد قصة النبي يونس عليه السلام، أو “ذو النون” كما سماه الله في كتابه، من أعظم القصص القرآنية التي تجسّد العلاقة بين العبد وربّه حين تضيق به الدنيا. فبعد أن ترك قومه مغاضبًا، ابتلاه الله بابتلاع الحوت له في بطن البحر، ليكون ذلك الموقف مدرسة في التوبة واليقين والصبر، مليئة باللطائف القرآنية والعظات التي تُظهر عظمة رحمة الله ولطفه بعباده.
اللطيفة الأولى.. الهروب لم يُنسِ الله عبده
يقول تعالى: «وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ”، أي ظن أن الله لن يضيّق عليه الأمر أو يمنعه من الخروج، وليس أنه شكّ في قدرة الله. واللطيفة هنا أن العبد قد يخطئ التقدير، لكن الله لا يتركه، بل يربيه بلطفٍ حتى يعود إليه أقرب مما كان. وهذه رسالة خفية لكل مؤمن: أن البُعد عن الله لا يعني النسيان، بل بداية عودة أعمق.
اللطيفة الثانية: رحمة في صورة بلاء
حين التقم الحوتُ يونسَ، لم يكن ذلك انتقامًا، بل حفظًا له من الغرق، كما قال العلماء: الحوت لم يأكله ليهلكه، بل ليحفظه في ظلمات بطنه بأمر الله. وهنا تظهر رحمة الله في ثوب البلاء، فالمحنة التي تبدو نهاية قد تكون بداية النجاة.
يقول تعالى: «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ”، أي مستحق للعتب، ومع ذلك سبقت رحمته غضبه.
اللطيفة الثالثة: تسبيح في الظلمات الثلاث
من أعجب ما ورد في القرآن قوله تعالى: “فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”. الظلمات الثلاث هي ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، ومع ذلك بلغ صوته أبواب السماء. واللطيفة هنا أن الدعاء الصادق لا يحتاج إلى مكان أو زمان، بل إلى قلب منيبٍ مخلص. فكانت تلك الكلمات القصيرة مفتاح الفرج، حتى قال النبي ﷺ: «”دعوة ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرّج الله عنه”.
اللطيفة الرابعة: الاستجابة الفورية من الله
قال الله تعالى: “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ”.، 88 الأنبياء. والآية من ألطف آيات الرحمة في القرآن، إذ ربط الله نجاة يونس عليه السلام بدعاء كل مؤمن بعده، فجعل الاستجابة سنة جارية لكل من نادى بالتوحيد والتوبة. وهنا لطيفة ربانية عظيمة: أن الله يستجيب لمن أخلص، ولو كان في ظلماتٍ لا يُرى فيها النور.
اللطيفة الخامسة: عناية الله بعد الخروج من الحوت
لم تنتهِ الرحمة بخروج يونس من بطن الحوت، بل قال الله تعالى:”فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ، وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ”. 145-146 الصافات. واللطيفة هنا أن الله لا يترك عبده بعد التوبة، بل يعالجه ويعوضه برعايته. وقد أنبت عليه شجرة من يقطين لتظله وتغذيه، وأرسل إليه رزقًا من رحمته حتى يستعيد عافيته، في مشهد يجمع بين العناية واللطف الإلهي.
وتعد قصة يونس عليه السلام في بطن الحوت، ليست مجرد معجزة، بل رسالة خالدة عن لطف الله بعباده المؤمنين.
من ظلمات البحر خرج نور الإيمان، ومن بطن الحوت انطلقت أعظم صيغة للتوبة”لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”..
إنها دعوة للتأمل في أن الله لا ينسى من يناديه، وأن باب الرحمة مفتوح مهما اشتدت الظلمات، لأن من لجأ إلى الله وجد النور بعد الغرق، والنجاة بعد البلاء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الابتلاء, التوبة, الدعاء في الشدة, الصبر, العبرة والموعظة, القرآن الكريم, القصة القرآنية, النبي يونس, بطن الحوت, ذو النون, رحمة الله, قصص الأنبياء, نجاة يونس



