![]()
فقه الأولويات في الدعوة الإسلامية: رؤية متزنة للنجاح والفاعلية
فقه الأولويات في الدعوة الإسلامية: رؤية متزنة للنجاح والفاعلية
تخيّل لحظة يقف فيها الداعية على أعتاب مجتمع متنوع، يموج بالاحتياجات والقيم والتحديات، كل طرف فيه يطلب اهتمامه، وكل مسألة تصرخ لتنال الحيز الأهم من جهوده. هنا، يبرز دور فقه الأولويات، ذلك الفن الدعوي الذي يحدد الطريق، ويرسم خارطة العمل، ويحوّل جهود الداعية من مبعثرة إلى فعّالة، من كلام عابر إلى أثر دائم في القلوب والعقول. فالأولوية ليست مجرد ترتيب أعمال، بل هي إدراك حكيم لأهمية كل قضية، واختيار ما يحقق أكبر نفع للمدعوين، مع مراعاة الظروف والوسائل الشرعية.
مفهوم فقه الأولويات
فقه الأولويات يعني ترتيب القضايا والمسائل وفقًا لأثرها وضرورتها، بحيث يُقدم المهم على الأقل أهمية، والأشد حاجة على الأقل حاجة، بما يضمن أن الجهد الدعوي لا يضيع في أمور ثانوية، وأن الرسالة تصل إلى القلوب والمجتمع بأكبر قدر ممكن من الفاعلية.
- الأولوية: المسائل الجديرة بأن تُقدَّم على غيرها في البحث والنظر والعمل.
- الأولِيَّات: ما ورد في الترتيب الأول بالفعل، وفق ما حدده القرآن والسنة من منهجية.
التأصيل الشرعي للأولويات في الدعوة
لقد أرشدت النصوص القرآنية والسنة النبوية الداعية إلى ترتيب الأمور بشكل واضح وعملي:
- العقيدة قبل الأحكام التفصيلية: فقد بدأ الوحي بالرسالة الأساسية، فذكر الجنة والنار قبل الحلال والحرام، لتكون العقيدة أساسًا لكل فعل.
- تعليم العقيدة أولًا ثم العبادات: قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عند بعثه إلى اليمن: “ادعهم أولًا إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا أطاعوك بذلك أخبرهم بالصلوات، ثم الزكاة”.
- الأمثلة العملية: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تظهر أهمية التخطيط والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، مما يوضح التطبيق الواقعي لمفهوم الأولويات.
أهمية فقه الأولويات في عمل الداعية
- فعالية الجهد الدعوي: يساعد الداعية على استثمار وقته وطاقته بما يعود بالنفع الأكبر على المجتمع.
- الحفاظ على التوازن: يمنع التشتت والارتباك، ويجعل الدعوة تدريجية ومتزنة.
- تحقيق الأثر المستدام: من خلال تقديم ما يحتاجه الناس حقًا أولًا، يتحقق التغيير الإيجابي في النفوس والمجتمع.
- إدارة التحديات: يتيح للداعية مواجهة العقبات بحكمة، وتجنب الصدامات غير الضرورية التي تضعف أثر الدعوة.
نماذج من الأولويات العملية
- الإخلاص أولى من العجب والرياء: قال تعالى: “أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”
- الصبر أولى من استعجال النتائج: قال تعالى: “فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ”
- الدعوة بالعلم أولى من الدعوة بالجهل: قال تعالى: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ”
- الأخذ بالأسباب أولى من التواكل: قال تعالى: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”
- التواصل مع الناس أولى من العزلة: يجب أن يكون الداعية حاضرًا بين الناس، يعرف همومهم واحتياجاتهم، ويستجيب لها بما يحقق أثرًا ملموسًا.
- تنويع أساليب الدعوة: من الوعظ المباشر إلى الكتابة والإعلام، بما يتناسب مع مستويات الفهم والظروف المختلفة.
أثر فقه الأولويات على الفرد والمجتمع
- للفرد: يزيد من وعي الداعية بخطواته، ويمنحه القدرة على إدارة وقته وجهده بحكمة، ويحفزه على الصبر والاجتهاد.
- للمجتمع: يسهم في بناء مجتمع متوازن، حيث تصل الرسالة بشكل فعّال، وتُحدث التغيير المنشود تدريجيًا، وتُعزز القيم الإسلامية في الحياة اليومية.
- للدعوة بوجه عام: يضمن الاستمرارية والاستقرار، ويمنع تشتت الجهود، ويجعل العمل الدعوي أكثر تأثيرًا على الأجيال الحالية والمستقبلية.
عندما تتحول الكلمة إلى فعل والعمل إلى رسالة
فقه الأولويات هو البوصلة التي توجه الداعية في بحر الدعوة المتلاطم بالأحداث والاحتياجات والتحديات. من خلال إدراك ما هو أهم، وترتيب الأمور بعناية، ومراعاة أثر كل خطوة، يتحول الجهد الدعوي إلى أثر محسوس، والكلمة إلى فعل، والعمل إلى رسالة حية تصل القلوب وتبني النفوس. الداعية الذي يحسن ترتيب أولوياته يصبح نورًا يضيء الطريق للآخرين، ويحقق النجاح الدعوي الذي يرضي الله، ويرسّخ أثر الإسلام في كل زمان ومكان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أساليب الدعوة, الدعوة الإسلامية, فقه الدوة



