![]()
فتح المدائن..
دروس الفاروق في اختيار القادة
فتح المدائن في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أعظم الأحداث في تاريخ الفتوحات الإسلامية، حيث مثل انتصارًا كبيرًا للمسلمين على إمبراطورية الفرس العريقة، وامتدادًا للسيطرة الإسلامية على المشرق.
وقد تميز هذا الفتح بالتخطيط العسكري الدقيق، والإدارة الرشيدة، والتعامل الإنساني العادل مع السكان، بما يعكس حكمة عمر في القيادة والعدل، ويظهر حرصه على تطبيق الشرع وتحقيق مصالح الأمة.
استعداد الجيش وتوجيهه
وبعد أن استقر المسلمون في دمشق وقضوا على جحافل الروم في الشام، اتجه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على رأس جيشه، الذي ضم خيرة فرسان المسلمين ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، نحو حمص لتأمين السيطرة على الشام قبل التوجه نحو العراق.
وكان عمر رضي الله عنه يهدف إلى القضاء على نفوذ الفرس بعد أن بدأت بوادر الضعف والانهيار في إمبراطوريتهم، وقد خطط لإرسال جيش تحت قيادة رجل كفء، فاستقر الرأي على سعد بن أبي وقاص لقيادة هذا الجيش في العراق، حيث غادر سعد ومعه أربعة آلاف فارس، وبدأت سلسلة الانتصارات على الفرس، بدءًا بالقادسية وصولًا إلى بهرسير، الضاحية الغربية للمدائن على ضفة نهر دجلة.
القرار الصعب لعبور دجلة
وعند اقتراب سعد وجنوده من المدائن، واجهوا عقبة كبيرة؛ إذ استولى الفرس على جميع السفن لمنعهم من عبور النهر. لكن إصرار المسلمين وإيمانهم جعله يقسم الجيش إلى كتائب ويضع على رأسها أمهر القادة:
كتيبة الأهوال: بقيادة عاصم بن عمرو الملقب بذي البأس.
والكتيبة الخرساء: بقيادة القعقاع بن عمرو.
تقدمت الكتائب بلا خوف، وعبرت النهر بقوة وشجاعة، حتى امتلأت صفحة الماء بالخيل والفرسان، وواجه الفرس صعوبة بالغة في التصدي لهم بسبب الحزم والإيمان والرماح الموجهة إلى خيل العدو، ما سبب الفوضى بين صفوف الفرس وفرارهم أمام المسلمين.
دخول المدائن والانتصار
وتمكن المسلمون من دخول المدائن فاتحين منتصرين، واحتلوا القصر الأبيض وإيوان كسرى، ولم يغتنم أحد منهم الغنائم لنفسه، مراعاةً للأمانة والعدل. وأشار القرآن الكريم إلى هذه المشاهد حين قرأ سعد قوله تعالى: “كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قومًا آخرين” الدخان: 25-28. كما صلى سعد وأصحابه صلاة الفتح ثماني ركعات، مجسدًا روح العبادة والشكر لله على النصر.
ومن الأحداث المميزة في فتح المدائن، تحقق وعد النبي ﷺ لسراقة بن مالك، حيث لبس سواري كسرى أمام عمر رضي الله عنه، وهو ما أثلج قلبه وأدرك فيه فضل الله على المسلمين، فقال: “الحمد لله.. سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك”. وكان هذا الفتح إيذانًا بانهيار إمبراطورية الفرس وبداية صفحة جديدة من تاريخ بلاد المشرق، إذ أسهم في دخول كثير من الأهالي في الإسلام بعد أن لمسوا العدل والحرية في ظل الحكم الإسلامي.



