![]()
“غسلين”:
الكلمة التي اقترنت بالجوع والعذاب
كلمة “غِسْلِين”، الواردة في سياقٍ شديد الوقع، حين يقرر القرآن مصيرًا مظلمًا بقوله تعالى “وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ”، فهي كلمة لا تأتي عارضة، ولا تُذكر إلا محمولة على مشهد من مشاهد العذاب، حيث الجوع ليس ألمًا جسديًا فحسب، بل لون من ألوان الإهانة والحرمان.
غسلين في أصلها اللغوي: من الطهارة إلى القذارة
تعود كلمة «غسلين» في أصلها اللغوي إلى مادة «غسل»، وهي مادة ترتبط في الذهن عادة بالتنظيف والتطهير. غير أن القرآن يقلب هذا المعنى رأسًا على عقب، فينقل اللفظة من سياق الطهارة إلى أقصى نقيضها، لتدل على ما يُغسل من الأوساخ والقيح وما يسيل من جلود أهل النار. وهذا التحول الدلالي ليس اعتباطيًا، بل يحمل في طياته سخرية مرعبة من حال أهل العذاب؛ إذ يصبح ما كان في الأصل وسيلة للتطهير عين النجاسة التي يُطعمون منها.
وقد اختلف أهل اللغة والتفسير في تحديد ماهية الغسلين، فذهب جمهورهم إلى أنه صديد أهل النار وما يسيل من جراحهم، وذهب آخرون إلى أنه طعام مخصوص أعدّ لهم، لا يُشبه طعام الدنيا إلا في الاسم، ويجمع بين القذارة والمرارة وسوء العاقبة. وفي كلا القولين يظل المعنى متجهًا إلى شيء تنفر منه الفطرة قبل الجسد.
موقع الكلمة في السياق القرآني
تأتي كلمة «غسلين» في سورة الحاقة ضمن سياق تقابلي بديع، يُقارن فيه القرآن بين مصير أهل اليمين ومصير المكذبين. فبعد ذكر النعيم، يأتي هذا المشهد القاسي ليصدم السامع، ويعيد ترتيب وعيه بالعاقبة. فالجوع هنا ليس مجرد فقدان للطعام، بل هو طعام حاضر، لكن حضوره أشد إيلامًا من غيابه.
واختيار صيغة الحصر في قوله: «ولا طعام إلا من غسلين» يحمل دلالة قاطعة؛ إذ لا بديل، ولا تخفيف، ولا فسحة اختيار. إنهم مجبرون على هذا الطعام كما أُجبروا في الدنيا على اتباع أهوائهم، فجاء الجزاء من جنس العمل، في صورة لفظية محكمة، لا تزيد ولا تنقص.
بين غسلين والضريع: تنويع العذاب لا تكراره
يلفت المتأمل أن القرآن ذكر أطعمة أخرى لأهل النار، كـ«الضريع» و«الزقوم»، ولكل لفظ منها ظله الخاص ودلالته المستقلة. فالغسلين ليس تكرارًا لمعنى العذاب، بل تنويع مقصود، يعبّر عن ألوان متعددة من الهوان. فالضريع يوحي باليبس والاختناق، والزقوم بالشجرة الخبيثة المتجذرة في أصل الجحيم، أما الغسلين فيحمل معنى الانحدار الكامل، حيث يتحول الإنسان إلى مستهلك لآثار عذابه ذاته.
هذا التنويع اللفظي يعكس ثراء البيان القرآني، ويؤكد أن العذاب ليس حالة واحدة، بل طبقات، كما أن الانحراف في الدنيا ليس صورة واحدة، بل مسارات شتى.
البعد الوعظي والنفسي للكلمة
لا يقف أثر كلمة «غسلين» عند حدود الوصف الأخروي، بل يمتد إلى النفس الإنسانية بوصفه جرس إنذار. فالكلمة بما تحمله من قسوة تصوغ في الذهن صورة منفّرة، تُراد لذاتها، حتى يرتدع القلب قبل الجسد. وهي تذكير بأن الانفصال عن منهج الله لا يؤدي فقط إلى الخسارة، بل إلى انقلاب القيم؛ حيث يصبح ما يُقذَر مأكلًا، وما يُرجى أذى.
وفي هذا المعنى، فإن ذكر الغسلين ليس تهديدًا مجرّدًا، بل خطاب تربية، يوقظ الحس الأخلاقي، ويعيد تعريف اللذة والعاقبة، فيفهم المتلقي أن الطريق الذي يبدأ بالشهوة قد ينتهي بالقذارة، وأن من لم يُطهّر قلبه في الدنيا، قد يُطعم من نجاسة العذاب في الآخرة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | البيان القرآني, تفسير غسلين, دلالات الألفاظ القرآنية, سورة الحاقة, عذاب أهل النار, غسلين, كلمات قرآنية, ولا طعام إلا من غسلين



