![]()
عندما أسقط الفاروق الجزية عن يهودي مسنّ وأمر له براتب شهري
عندما أسقط الفاروق الجزية عن يهودي مسنّ وأمر له براتب شهري
في مشهد نادر يجسّد أسمى معاني الرحمة والعدل في الإسلام، يروي التاريخ موقفًا مؤثرًا للصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين صادف يهوديًا مسنًا يتسوّل في أحد أسواق المدينة، فأصدر قرارًا فوريًا بإعفائه من الجزية، بل وأمر له بمخصص مالي شهري من بيت مال المسلمين، ليعيش بكرامة دون أن يمدّ يده.
وكان قد اعتاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الخليفة الثاني للمسلمين، أن يجوب الأسواق بنفسه ليتفقد أحوال الرعية. وكان يرى في ذلك وسيلة مباشرة لكشف مظالم الناس، والتأكد من حسن سير الأمور في الدولة الإسلامية، دون الاعتماد الكلي على الولاة والعمال.
وأثناء إحدى جولاته في السوق، لفت نظره رجل عجوز قد انحنى ظهره من شدة الكبر، وكان يمد يده إلى الناس متسولًا. فاقترب منه عمر وسأله بحزم واهتمام: “من أنت يا رجل؟”
أجاب الرجل العجوز قائلًا: “أنا رجل يهودي، وقد أرهقتني الجزية التي فُرضت علينا، ولم أعد أقوى على دفعها، لذلك أمدّ يدي للناس من أجل تسديدها”.
تأثر عمر بن الخطاب بكلام الرجل، وبدت عليه علامات الحزن والدهشة، إذ كيف يُترك رجل في كبر سنّه وحالته المادية الصعبة، دون رعاية أو إعفاء، في ظل دولة تُعلي من قيمة العدل وترعى الذميين كما ترعى المسلمين.
عمر يبكي ويصدر قرارًا حاسمًا
لم يتمالك عمر نفسه، واغرورقت عيناه بالبكاء، وهو يسمع هذه الكلمات التي كشفت له تقصيرًا في متابعة أحوال أهل الذمة ممن كفلت لهم الدولة الإسلامية حقوقهم.
وقال عمر بن الخطاب قولته الشهيرة: “ما أنصفناك إن أخذنا منك الجزية شابًا ثم ضيعناك شيخًا”. ثم أمر فورًا بإعفاء هذا الرجل اليهودي من الجزية، وأمر له براتب شهري يُصرف من بيت المال، حتى لا يضطر إلى سؤال الناس أو الذل أمامهم.
وتجسد هذه القصة جانبًا مهمًا من سياسة عمر بن الخطاب في إدارة الدولة، إذ لم يفرق في الرحمة والعدل بين مسلم أو غير مسلم، بل اعتبر جميع الرعية تحت مسؤوليته، وحرص على تحقيق كرامة الإنسان، دون النظر إلى دينه أو جنسه أو أصله.
وقد اعتبر الفقهاء هذا الموقف دليلًا على أن الجزية تُرفع عن غير المسلمين العاجزين أو المسنين، وأن الدولة الإسلامية تُلزم نفسها برعاية الضعفاء منهم، ما دامت قد أخذت الجزية في سنوات القوة.
وهذه الحادثة ليست فقط شاهدًا على عدالة عمر، بل نموذجًا يُحتذى في السياسات الإنسانية والإدارية، وتأكيدًا على أن القيادة الراشدة لا تكتفي بإصدار الأوامر، بل تنزل إلى أرض الواقع، وتراقب، وتُصلح، وتحاسب.
وقد ذكر المؤرخون هذه القصة في كتب السير والتراجم، مؤكدين على حرص عمر بن الخطاب على صيانة كرامة الإنسان، ورغبته في إقامة دولة قائمة على العدل والرحمة والمساواة.
ما فعله عمر بن الخطاب مع الرجل اليهودي المسن لم يكن مجرد موقف عابر، بل جزء من منهجٍ عادلٍ أسّس لواحدة من أعدل الدول في التاريخ الإسلامي. وقد أصبحت هذه القصة من قصص السلف الصالح التي تعلّم الأجيال معنى الرحمة الحقيقية والقيادة الواعية التي تحمل همّ الإنسان قبل كل شيء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الجزية في الإسلام, الرقائق



