![]()
عمر بن عبد العزيز..
إصلاح الدولة الأموية ونشر العدل في الأمة
الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ذلك الرجل الذي حوّل القصر من مركز للسلطان إلى منارة للعدل، وأعاد للأمة روحاً كادت تتلاشى تحت وطأة الترف والفتنة.
من قصور الأمويين إلى عدل الراشدين: رحلة الخليفة الزاهد
تربّى عمر بن عبد العزيز في بيت الخلافة الأموي وتزوج من ابنة الخليفة عبد الملك، مما أتاح له معرفة دقيقة ببواطن الأمور وعيوب النظام. لكن قلبه كان معلقاً بسيرة الرعيل الأول، فقرأ التاريخ وعلم أن الملك العضود لا يقوم إلا على العدل. عندما آلت إليه الخلافة، لم ينظر إليها كمغنم شخصي، بل حملها أمانة ثقيلة، فخلع حُلي السلطة ورفض مظاهر البذخ، لتبدو حياته امتداداً طبيعياً لحياة الفاروق الذي ينتمي إليه. لقد حوّل القصر من مسرح للاستعراض إلى مكتب للعمل، يجتمع فيه مع الفقهاء والعلماء كما يجتمع مع العمال والولاة.
الإصلاح المالي: رد المظالم وإعادة توزيع الثروة
شكّلت السياسة المالية قلب إصلاحات عمر بن عبد العزيز وأكثرها جرأة وتأثيراً. ففي خطوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الدولة الأموية، أصدر مرسوماً تاريخياً بإعادة كل المظالم إلى أهلها، وهي الأراضي التي أخذت بغير حق في الفتوحات أو صادرها الولاة السابقون. وأمر بوقف العمل بلعنة الإمام علي بن أبي طالب على المنابر، وهي ممارسة كانت قد تحولت إلى طقس سياسي مكلف ومعيب. كما أوقف الهبات والأعطيات الضخمة التي كان الخلفاء يمنحونها لأقاربهم وأبناء جلدتهم، معتبراً أن مال الأمة ملك للأمة. وبدلاً من بناء القصور، حوّل هذه الأموال إلى تعمير الأرض ومساعدة المحتاجين، حتى قيل إنه في عهده لم يعد يوجد فقير واحد في أرجاء الدولة الإسلامية يستحق الزكاة، لأن العدالة في التوزيع شملت الجميع.
إصلاح الجهاز الإداري: اختيار الرجال ورقابة الضمير
أدرك الخليفة العادل أن العدل لا يُنفذ بمراسيم جميلة تعلوها الختم الذهبي، بل بحكام أمناء يطبقونها على الأرض. لذلك شكّل ثورة في نظام التعيينات الإدارية، فلم يعد المنصب يُمنح للمقربين أو الأعلى صوتاً، بل أصبح محكّه التقوى والكفاءة. عزل الولاة الظالمين أو المتهمين بالفساد، حتى لو كانوا من أركان النظام السابق، وعيّن بدلاً منهم رجالاً اشتهروا بالصلاح والعلم، مثل أبي بكر بن حزم في المدينة. لم يكتف بالتعيين، بل وضع نظاماً صارماً للمحاسبة والرقابة، يطلب من كل والٍ تقريراً مفصلاً عن أعماله، وكان يرد على شكاوى الرعية بنفسه. حوّل الإدارة من أداة للسيطرة والجباية إلى خدمة عامة، أساسها رضا الشعوب قبل رضا الحاشية.
العودة إلى روح الخلافة الراشدة: مشروع لم يكتمل
سعت إصلاحات عمر بن عبد العزيز إلى ما هو أبعد من ترشيد الإنفاق أو تحسين البيروقراطية؛ لقد كانت تهدف إلى إصلاح العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وإعادة تعريف مفهوم السلطة ذاتها. أعاد العمل بالشورى، فصار يستشير علماء الأمصار في القضايا الكبرى. وأمر بتدوين السنة النبوية خوفاً من ضياعها، في خطوة حفظت للدين والعلم تراثهما. حاول أن يعيد للدولة روحها الرسالية الأولى، حيث العدل أساس الملك والحقوق مصانة للجميع. لكن هذا المشروع التصادم مع مصالح الطبقة الحاكمة والنخبة المستفيدة من النظام القديم، مما ولّد ضغوطاً هائلة أدت، كما تشير الروايات التاريخية، إلى إنهاء عهده القصير (سنتين وخمسة أشهر) بالوفاة، لتبقى تجربته نبراساً يضيء دروس الإصلاح الحقيقية ومخاطر الطريق.



