![]()
عمر بن الخطاب وقضية الأراضي المفتوحة..
فقه العمران قبل فقه الملك
عمر بن الخطاب وقضية الأراضي المفتوحة..
فقه العمران قبل فقه الملك
كان عمر بن الخطاب صاحب رؤية تُدرك أن الأرض ليست غنيمة تُقسّم، بل أمانة تُعمَّر. وفي زمنٍ كانت فيه الجيوش تعود من العراق والشام محمّلة بالنصر والغنائم، واجه أمير المؤمنين سؤالًا خطيرًا في جوهره: لمن تكون الأرض التي فُتحت؟ أللجنود الذين خاضوا الحرب؟ أم للأمة كلها؟
كان الجواب عند عمر مختلفًا، ومعبّرًا عن عبقريةٍ سياسيةٍ سبقت عصرها.
الجدل حول تقسيم الأرض
بعد انتصارات المسلمين في العراق، جاء عدد من القادة إلى المدينة يطالبون بتوزيع الأراضي المفتوحة على المقاتلين، كما كان العُرف في الغنائم. غير أن عمر، ببصيرته النافذة، رفض ذلك، وقال قولته التي حفظها التاريخ:
“ما أحد أحقّ بهذه الأرض من أحد، هي فيءٌ للمسلمين كافة، من حضر الفتح ومن غاب عنه، ومن وُلد ومن لم يولد بعد.”
كانت هذه النظرة استثنائية؛ إذ نقلت الدولة من منطق الغزو والغنيمة إلى منطق الدولة والإدارة، وجعلت عمر أول من أسس لمبدأ “الملكية العامة” في تاريخ الإسلام.
رؤية عمر الاقتصادية والاجتماعية
لم يكن رفض عمر مجرّد رأي سياسي، بل رؤية اقتصادية عميقة تقوم على حفظ توازن المجتمع. فقد خشي أن تتحول الأراضي الخصبة في العراق والشام إلى ملكية خاصة لفئة من الأغنياء والقادة، فتقوم طبقة مترفة تحكم الناس بالمال والنفوذ، وتذوب روح العدالة التي بُنيت عليها الدولة.
قال عمر يومها:
“كيف يُقاتل آخر هذه الأمة أولها على هذا المال؟”
كان يدرك أن العدالة الاقتصادية أساس الاستقرار السياسي، وأن حماية الفقراء والضعفاء من طغيان الثراء ضرورة لبقاء الأمة متماسكة.
المشورة واتساع أفق الدولة
جمع عمر كبار الصحابة للتشاور: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم. وكان النقاش طويلًا محتدمًا. مال بعضهم إلى تقسيم الأرض كما قُسّمت الغنائم، لكن علي بن أبي طالب أيّد رأي عمر وقال:
“إن قسّمتها اليوم صار شيءٌ في أيدي الناس دونك، ثم يبقى لمن بعدك من المسلمين ما يسدّهم؟”
فاستقرّ الأمر على أن تبقى الأرض في يد أهلها يزرعونها ويدفعون خراجها إلى بيت المال، ليكون فيئًا للمسلمين جميعًا. وهكذا نشأ نظام الخراج الإسلامي، الذي حفظ للأمة مواردها وأرسى أساس الاقتصاد العام في الدولة.
فقه العمران لا فقه التملك
كانت فلسفة عمر أن الأرض ليست ملكًا لمن غلب، بل موردًا لمن عمّر. لذلك حافظ على الفلاحين وأعفاهم من القهر والإجلاء، وأمر بإنشاء سجلات دقيقة للخراج والزراعة، فكانت تلك نواة الدواوين المالية التي صارت أساس الدولة الإدارية في الإسلام.
بذلك، تحوّل الفتح في عهد عمر من غزوٍ إلى عمرانٍ، ومن توسّعٍ عسكري إلى بناءٍ حضاري. لقد فهم أن الإسلام جاء ليُقيم العدل بين الناس، لا ليكرّس طبقية المنتصرين.
عبقرية القرار واستمراريته
بقي قرار عمر بشأن الأراضي المفتوحة من أعظم قرارات السياسة الإسلامية على الإطلاق، حتى قال فيه بعض المؤرخين:
“لو لم يكن لعمر من مآثره إلا رأيه في السواد، لكان كافيًا أن يُكتب به اسمه في سجلّ الخالدين.”
فبفضله صارت موارد العراق ومصر والشام ملكًا عامًا للأمة، تُصرف على الفقراء والجند والعلماء والعمران، لا على فئةٍ بعينها.
وهكذا قدّم عمر بن الخطاب درسًا خالدًا في فقه العمران قبل فقه الملك، حين جعل العدل أصلًا في السياسة، والمصلحة العامة ميزانًا في الحكم، فسبق بفكره قرونًا من نظريات الاقتصاد والعدالة الاجتماعية التي لم تعرفها أوروبا إلا بعد عصور طويلة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأراضي المفتوحة, الخراج الإسلامي, الدواوين, الدولة الراشدة, العدالة الاقتصادية, الفتوحات الإسلامية., بيت المال, تاريخ الإسلام, عمر بن الخطاب, فقه العمران



