![]()
علي بن أبي طالب والعدل في زمن الفتنة..
السياسة الأخلاقية في أحرج العصور
علي بن أبي طالب والعدل في زمن الفتنة..
السياسة الأخلاقية في أحرج العصور
كانت الفتنة التي اشتعلت بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه الزلزال الذي هز كيان الدولة الإسلامية الناشئة، وألقى بها في بحرٍ من الأسئلة المصيرية: من يحق له الحكم؟ وبأي شرعية؟ وأي عدل نبتغي حين تتداخل الحقائق وتتنازعها الأهواء؟ في هذا المحرَق التاريخي، حيث انقسم الناس بين مؤيدٍ ومعارض، وبين طامحٍ في ملكٍ وحريصٍ على وحدة، برزت شخصية الإمام علي بن أبي طالب كصخرةٍ أخلاقية لا تتبدل، وكمنارةٍ لفلسفة سياسية جعلت من “العدل” إلهاماً يتحدى واقعَ التشظي والانقسام.
فلسفة الحكم: حينما يكون المبدأ هو السلطة
لم ينظر علي رضي الله عنه إلى منصب الخلافة كغنيمةٍ أو امتياز، بل رأى فيه تكليفاً إلهياً وأمانةً في عنق الحاكم. كانت شرعية الحاكم، في رؤيته، تنبع من شرعية أفعاله، وشرعية أفعاله تنبع من التزامه المطلق بالعدل. لم يكن العدل مجرد توزيعٍ للثروات أو إنصافٍ بين الخصوم فحسب، بل كان نظاماً قيمياً شاملاً يبدأ من الحاكم نفسه. اشترط في واليه على مصر، مالك الأشتر، في عهده المشهور أن يكون “أشغل لهم من أمه”، مجسداً بذلك أن الحاكم خادمٌ للرعية، لا سيدٌ عليها. هذه النظرة التأسيسية جعلت سلطته شرعيةً لأنها نابعة من مبدأ ثابت، حتى لو خسر بسببها أنصاراً أو معارك. كانت السياسة عنده فرعاً من الأخلاق، والسياسي الناجح هو الرجل الصالح أولاً.
في لهيب الفتنة: العدل لا يهادن
عندما اشتعلت نار الفتنة بمعركة الجمل، ثم معركة صفين، وجد الإمام علي نفسه في موقفٍ لا يحسد عليه؛ يقاتل من كانوا إخوانه في الدين والجهاد، بمن فيهم طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم جميعاً. هنا برزت المفارقة العظيمة: كيف تحارب من أجل الحق دون أن تفقد أخلاقك؟ لقد رفض رفضاً قاطعاً أن يصبح عدوه صورةً في مرآته، فحارب وهو متمسكٌ بخطٍ أخلاقي صارم. منع نهب أموال المهزومين، وحرّم التمثيل بالقتلى، وأمر بإرجاع الأسرى، ورفض استخدام السباب والشتم ضد خصومه. لقد كان عدوه الحقيقي هو الفتنة ذاتها، لا الأشخاص. هذا الموقف جسّد أعلى درجات النبل السياسي، حيث يظل العدل هو القائد حتى في ساحة المعركة، مؤمناً بأن الغاية النبيلة لا تبرر الوسيلة الخسيسة.
شرعية السلطة في مواجهة واقع الانقسام
واجهت خلافة علي إشكالية شرعية بالغة التعقيد. فقد بايعه كثير من المسلمين شرعياً، لكن واقع الدولة كان منشقاً بين مؤيدٍ له في العراق والجزيرة، ومعارضٍ له في الشام بزعامة معاوية. هنا لم يقدم علي تنازلاتٍ تمس جوهر شرعيته الأخلاقية. رفض التحكيم حينما شعر أنه قد يمس principle من مبادئ الحكم العادل، مفضلاً المخاطرة السياسية على التنازل الأخلاقي. لم تكن السلطة عنده غايةً تسوغ كل وسيلة، بل كانت وسيلةً لتحقيق العدل وإقامة الحق. لو تنازل عن جزءٍ من مبدئه لربح السلامة السياسية، لكان بذلك قد حوّل الخلافة من “أمانة” إلى “مُلكٍ عضوض”. فشرعية السلطة، في منظوره، لا تقاس بمدى السيطرة على الجغرافيا، بل بمدى الالتزام بالقيم في إدارة ما تحت يدك من هذه الجغرافيا.
إرثٌ لا ينتهي: دروس العدل في زمن اللايقين
لم يكن مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه نهايةً لفلسفته، بل كان تتويجاً لمسيرة استشهاد من أجل المبدأ. لقد قدم نموذجاً للحاكم الذي يموت من أجل ما آمن به، فلا يزال دمه على صفحات التاريخ ينطق بالعدل. في عالمنا اليوم، حيث تذوب الفوارق بين الحق والباطل، وتتحول السياسة إلى لعبة مصالح بلا ضمير، يظل سيرة علي تذكرنا بأن هناك خياراً آخر. خيار أن تكون أخلاقياً حتى لو كلفك الأمر كل شيء. إنه درسٌ في أن العدل الحقيقي ليس ترفاً نتمتع به في أوقات الاستقرار، بل هو الابتلاء الذي نختبر به صدق إيماننا في أوقات العاصفة. إن فلسفة علي تطرح سؤالاً أبدياً: هل أنت مستعد لأن تدفع ثمن عدلك؟ لأن العدل الذي لا ثمن له، هو عدلٌ لا قيمة حقيقية له.



