![]()
علي أحمد باكثير
الأديب الذي جعل الكلمة رسالة
الأديب الإسلامي الكبير علي أحمد باكثير، أحد أبرز الأدباء الذين استطاعوا الجمع بين البيان والفكر، والفن والإيمان، حتى غدا أدبه جسرًا متينًا بين روح الإسلام ووجدان الإنسان.
المولد والنشأة بين حضرموت ومصر
وُلد علي أحمد باكثير في مدينة سورابايا بإندونيسيا عام 1910 لأبوين من أصول حضرمية، ثم عاد صغيرًا إلى حضرموت حيث حفظ القرآن الكريم وتلقى علوم اللغة والفقه، فشبّ على تذوق البيان والولع بالشعر العربي. ومن هناك بدأت بذور الروح الدعوية تنمو في وجدانه، متأثرة بالبيئة الدينية المحافظة التي كانت ترى في الأدب وسيلة للتهذيب لا للترف.
رحل إلى عدن، ثم إلى الحجاز، ليستقر به المقام في مصر التي كانت آنذاك عاصمة الفكر العربي ومهد النهضة الأدبية. وهناك انفتح باكثير على التيارات الفكرية الحديثة، لكنه لم ينجرف وراءها، بل قابلها بوعي المؤمن، فصاغ منها تجربته المتميزة التي جمعت حرارة العقيدة وعمق الفن.
من الشعر إلى المسرح… ومن العاطفة إلى الفكرة
بدأ باكثير شاعرًا، يكتب القصيدة العمودية والنثرية، لكنه سرعان ما وجد في المسرح أفقًا أوسع لتجسيد رؤاه الفكرية والاجتماعية. فكان من الروّاد الأوائل للمسرح العربي الحديث، ومن أوائل من أدخلوا الشكل الشعري إلى الدراما، حتى عدّه النقاد سابقًا لعصره في استخدام “الشعر المرسل” في المسرح العربي قبل شكسبير العربي المنتظر أن يولد في أجيال قادمة.
ومن أبرز أعماله المسرحية “إخناتون ونفرتيتي”، و**”سر شهرزاد”، و”رجل بين المسلمين”، و”حبل الغسيل”، و”مسمار جحا”**، وكلها أعمال تنبض بروح الإصلاح الاجتماعي والنقد السياسي الملتزم، لا من موقع المعارض المادي، بل من موقع الداعية الذي يرى أن الفساد الأخلاقي هو أصل كل فساد في الأرض.
أما في الرواية، فله أعمال خالدة مثل “وا إسلاماه”، و**”الثائر الأحمر”، و”سوداء في برج العاج”**، وقد امتزج في هذه الأعمال الحس التاريخي بروح العقيدة، حتى بدا كأن باكثير يستحضر الماضي ليبصر به الحاضر، ويجعل من التاريخ مرآةً لهوية الأمة الإسلامية التي أراد لها أن تنهض بالوعي لا بالعاطفة وحدها.
باكثير والفكر الإسلامي
كان باكثير مؤمنًا بأن الأدب ليس ترفًا ذهنيًا، بل أداة من أدوات الإصلاح والدعوة، وأن الشاعر والكاتب يحملان في الأمة وظيفة الأنبياء في البيان والتبليغ. ولذلك ظل أدبه محكومًا بالرؤية الإسلامية التي ترى الإنسان خليفةً في الأرض، لا عبدًا لشهواته ولا تابعًا للغرباء في فكره وسلوكه.
وفي روايته “وا إسلاماه” تجلت هذه الرؤية بوضوح، إذ قدّم ملحمة روحية تصور الصراع بين الإيمان والغزو، وبين الروح الإسلامية والتحدي الصليبي، في سردية تنبض بالعزة والكرامة، وتنتهي بانتصار الفكرة على القوة. ومن خلالها رسّخ باكثير مبدأ أن الهوية الإسلامية هي أعظم سلاح في وجه الاستلاب الحضاري.
لقد كتب باكثير أدبًا نقيًا، لا يعرف الميوعة الفكرية، ولا يساوم على الحقيقة. كان يرى أن الفن يجب أن يكون جميلًا وصادقًا في آنٍ واحد، وأن الجمال بلا هدى إنما هو فتنة، كما أن الهدى بلا جمال جفاف. ولهذا اتسم أسلوبه بقدرٍ من الصفاء التعبيري والرمزية الموحية التي تخاطب القلب والعقل معًا.
أدب الالتزام لا أدب الوعظ
تميز باكثير بأنه لم يحوّل أدبه إلى خطابٍ مباشرٍ أو مواعظ جامدة، بل جسّد القيم الإسلامية في مواقف وشخصيات وصراعات حية. فكان أدبه أدبًا واقعيًا راقيًا، ينفذ إلى النفس من باب الفن لا من باب التلقين.
وهو في ذلك يلتقي مع مفهوم “الأدب الإسلامي” الذي يقوم على التعبير الفني عن الكون والإنسان والحياة في ضوء الإسلام، دون ادعاء أو افتعال. ولذلك يمكن القول إن علي أحمد باكثير هو أحد الآباء المؤسسين للأدب الإسلامي المعاصر، حتى وإن لم يرفع شعار “الأدب الإسلامي” صراحة في زمنه.
لقد كانت قضاياه الإنسانية انعكاسًا لفهمه العميق للإسلام، لا مجرد توظيف للنصوص الدينية. ففي مسرحية “سر شهرزاد” على سبيل المثال، أعاد صياغة الحكاية القديمة ليجعلها رمزا للبحث عن الحرية المسؤولة، والعدل القائم على الإيمان، لا على الشهوة. أما في “مسمار جحا”، فقد تحوّل الرمز الشعبي البسيط إلى صرخة في وجه الاستبداد والظلم، بما يحمله من عمق فكري وسخرية راقية.
باكثير بين الغربة والخلود
عاش علي أحمد باكثير حياةً يغلب عليها الاغتراب، اغتراب الجسد والروح معًا؛ فبين حضرموت ومصر تنقّل قلبه، وبين الشرق والغرب دار فكره، لكنه ظل مخلصًا لهويته العربية الإسلامية حتى آخر لحظة من حياته عام 1969.
وقد عانى في أواخر عمره من التجاهل الأدبي، لأن زمن الموجة العلمانية لم يكن يميل إلى أدبٍ يجعل القرآن ضوءه، والإيمان بوصلته، لكنه ترك إرثًا خالدًا أثبت مع مرور الزمن أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الأدب إذا صدق في رسالته خلّد صاحبه.
الرسالة الأدبية في موكب الدعوة
يقف علي أحمد باكثير اليوم في موكب الأدب الدعوي نموذجًا فريدًا للأديب المؤمن الذي حمل رسالته في وجه الموج المتلاطم من التغريب والتيه، وأثبت أن الإبداع لا يتناقض مع الالتزام، بل هو صورته الأجمل حين يتصل بالسماء.
لقد قدّم باكثير للأمة نموذجًا للأدب الذي يبني، ويهدي، ويقاوم الانحلال بصدق الكلمة، فكان أدبه في جوهره جهادًا بالكلمة، لا يقل أثرًا عن جهاد السيف في ميدان الحق.
إن ذكرى باكثير لا تُستعاد لمجرد الاحتفاء بفنانٍ مبدع، بل لاستلهام روحٍ جعلت من القلم منبرًا ومن الكلمة رسالة، فكان حقًا أديب الدعوة في ثوب الفن، وفنان الإيمان في رحاب الأدب.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأدب الإسلامي, الأدب العربي الحديث, سمات الأدب الإسلامي, سمات الأدب الاسلامي, علي أحمد باكثير



