![]()
علم الجرح والتعديل.. الميزان الدقيق لعدالة الرواة
علم الجرح والتعديل.. الميزان الدقيق لعدالة الرواة
إذا كان علم مصطلح الحديث هو الإطار النظري الذي يضبط قواعد الرواية، فإن علم الجرح والتعديل هو الآلة العملية التي تختبر بها تلك القواعد في الميدان. إنه العلم الذي نَفَذ إلى أعماق حياة الرواة، فمحَّص سيرهم، وتفحَّص عدالتهم وضبطهم، وأعطى لكل واحد منهم منزلته التي يستحقها. وبفضله، بقيت السنة النبوية عصيّة على التحريف، صافية النبع، موثوقة السند.
تعريف الجرح والتعديل
- الجرح: هو الطعن في الراوي بما يقدح في عدالته أو ضبطه، كالكذب، أو سوء الحفظ، أو الفسق، أو الجهالة.
- التعديل: هو توثيق الراوي والإشادة بعدالته وضبطه، فيُقال: ثقة، حجة، ثبت، صدوق.
وبهذا، فإن العلم قائم على الموازنة بين هذين الجانبين، فلا يقبل الحديث إلا إذا كان راويه عدلاً ضابطاً، ولا يُرد إلا إذا ثبت ما يقدح فيه.
الحاجة إلى الجرح والتعديل
كان الصحابة يعرف بعضهم بعضاً، ولم تكن الحاجة ماسة إلى التمحيص، لكن مع مرور الزمن، وكثرة الداخلين في الإسلام، وظهور الفرق والاختلافات، ظهر بين الرواة من لا يؤتمن على النقل. وهنا كان لا بد من جهاز علمي ناقد يكشف حال الرواة، حتى لا تختلط المرويات الصحيحة بالواهية.
وقد قال عبد الله بن المبارك: “بيننا وبين القوم القوائم“، يعني الإسناد، فلا يُقبل قول أحد بلا سند، ولا يُحتج برواية راوٍ إلا إذا ثبتت عدالته وضبطه.
نشأة علم الجرح والتعديل
بدأت بواكيره مع التابعين، حيث كانوا يشيرون إلى ثقة بعض الرواة أو ضعفهم. ثم تطور الأمر في القرن الثاني والثالث الهجري إلى حركة علمية واسعة، برز فيها أئمة كبار كالإمام مالك، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي.
أما التأسيس المنهجي، فقد جاء على يد أئمة النقد مثل:
- يحيى بن معين (ت 233هـ): شيخ النقاد، الذي أفنى حياته في معرفة أحوال الرواة.
- أحمد بن حنبل (ت 241هـ): الإمام الذي جمع بين الفقه والحديث، وكان له مواقف دقيقة في توثيق الرجال أو جرحهم.
- النسائي، والبخاري، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم من أعلام النقد.
ثم جاء الخطيب البغدادي (ت 463هـ) فجمع شتات هذا العلم في كتبه، وأعقبه ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في تهذيب التهذيب ولسان الميزان.
مراتب التعديل
قسّم العلماء مراتب التوثيق إلى درجات، منها:
- الثقة الثبت الحجة: وهو أعلى المراتب، كالإمام مالك وشعبة.
- الثقة: راوٍ ضابط عدل، لكنه دون الأولى في المرتبة.
- الصدوق: يروي الصدق في الغالب، لكن قد يخطئ أو يهم.
- المستور: من لم يُعرف حاله جيداً، فلا يُقبل حديثه إلا إذا اعتضد.
مراتب الجرح
وكذلك مراتب الجرح، ومنها:
- الكذاب أو الوضاع: وهو من يتعمد اختلاق الأحاديث.
- المتهم بالكذب: لم يُعرف بالكذب صراحة، لكن وُجدت قرائن قوية على عدم صدقه.
- سوء الحفظ: يروي ما لا يضبطه، فيُقبل حديثه إذا توبع ويُرد إذا انفرد.
- المجهول: من لم يُعرف حاله، فلا يُبنى على حديثه حكم.
القواعد المنهجية للجرح والتعديل
وضع العلماء ضوابط دقيقة حتى لا يتحول هذا العلم إلى أداة للتشهير أو التعصب، ومن هذه الضوابط:
- لا يُقبل الجرح إلا مفسَّراً، كأن يقول الناقد: “كان يكذب” أو “كان يخطئ كثيراً”.
- لا يُقبل التعديل أو التوثيق إلا من عالم عارف بأحوال الرواة.
- إذا تعارض الجرح والتعديل، قُدّم الجرح المفسَّر على التعديل المجمل.
وبهذا صار الجرح والتعديل علماً يقوم على الإنصاف والعدل، لا على الهوى.
أثر علم الجرح والتعديل في حفظ السنة
لقد أدى هذا العلم دوراً عظيماً في تنقية المرويات. فبينما كانت الأمم الأخرى تنقل أخبار أنبيائها بلا تمحيص، وقف المسلمون على أدق تفاصيل حياة الرواة، حتى قال بعض المستشرقين: “المسلمون هم الأمة الوحيدة التي طبقت منهج النقد التاريخي على رواة أخبارها.”
وبهذا لم يصل إلينا عن النبي ﷺ إلا ما ثبت بالسند الصحيح، بعد أن غربل العلماء عشرات الآلاف من الروايات الضعيفة والموضوعة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | المصطلح وعلم الرجال, علم الجرح والتعديل



