![]()
علل الحديث.. الخفايا الدقيقة في نقد الرواية
إذا كان علم الجرح والتعديل يكشف عن عدالة الرواة وضبطهم، فإن علم علل الحديث يغوص أعمق ليكشف عن الخلل الخفي الذي لا يظهر للوهلة الأولى. إنه أشبه بعمل الطبيب البارع الذي يرى ما يخفى على غيره، أو كالعين الناقدة التي تلتقط ما يغيب عن عامة القراء. وقد قال الإمام علي بن المديني: “معرفة الحديث وإدراك علله نصف العلم.”
معنى العلة في الحديث
العلة لغةً: المرض أو السبب الخفي.
أما في اصطلاح المحدثين: فهي سبب خفي يقدح في صحة الحديث، مع أن ظاهره السلامة.
فالحديث قد يبدو صحيحاً من حيث السند والمتن، لكنه عند التدقيق يُكشف فيه خلل لا يُدرك إلا بالخبرة العميقة، كإرسال خفي، أو انقطاع مستور، أو خطأ في الوصل أو الوقف.
أهمية علم العلل
- يميّز بين الحديث الصحيح في ظاهره والضعيف في حقيقته.
- يمنع من التساهل في قبول الروايات بمجرد ظاهر الإسناد.
- يبرهن على عمق المنهج النقدي عند المحدثين، فهم لم يكتفوا بالظاهر بل بحثوا عن الباطن.
ولذلك قال الدارقطني: “الحديث المعلول يَعرفه أهل العلم بالحديث دون غيرهم.”
نشأة علم العلل
بدأ الاهتمام بعلل الحديث مع كبار النقاد من القرن الثاني الهجري، مثل:
شعبة بن الحجاج: الذي عُرف بلقب “أمير المؤمنين في الحديث”، وكان يتتبع أدق الألفاظ في الرواية.
سفيان الثوري وابن مهدي ويحيى القطان: وهم الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا العلم.
ثم جاء علي بن المديني (ت 234هـ) فوضع قواعد راسخة، وكان شيخه الإمام أحمد يثني عليه ويقول: “ما أعلم أحداً أعلم بعلل الحديث من علي بن المديني.”
وبعده جاء البخاري ومسلم، وقد امتلأت صحيحيهما بمراعاة هذه العلل، وإن لم يصرّحا بها دائماً.
ثم خُصصت مصنفات مستقلة في هذا الباب، مثل: “العلل“ لابن أبي حاتم، و*”العلل الكبير”* للترمذي، و*”العلل”* للدارقطني.
صور العلل في الحديث
من أبرز صور العلل التي كشفها العلماء:
- الإرسال الخفي: أن يروي الراوي عن شيخ لم يلقه، فيُظهر الحديث متصلاً وهو منقطع.
- الوهم في الإسناد: كأن يروي راوٍ ثقة حديثاً بإسناد، ويرويه آخر بإسناد مختلف، فيتضح أن أحدهما وهم.
- الاضطراب: إذا روي الحديث بطرق مختلفة متعارضة، بحيث يتعذر الجمع بينها.
- الوصل والإرسال: قد يُروى الحديث مرفوعاً للنبي ﷺ، ويرويه آخر موقوفاً على الصحابي، فيبحث العلماء أيهما أصوب.
- القلب: كأن يُبدّل الراوي في الألفاظ أو الأسانيد، فيقلب المعنى أو ترتيب السند.
أمثلة مشهورة
- حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، رواه جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر بن الخطاب. ولو رُوي بسند آخر مخالف، لحكموا على الطريق الآخر بالوهم.
- حديث: «لا وصية لوارث»، روي مرفوعاً للنبي ﷺ، وروي موقوفاً على بعض الصحابة، والراجح أنه موقوف.
هذه الأمثلة تبيّن أن العمل في العلل يحتاج دقة وصبراً، فهو ليس رفضاً للحديث لمجرد الظن، بل هو بحث علمي دقيق قائم على المقارنة والاستقراء.
مكانة هذا العلم
علم العلل هو تاج علوم الحديث، لأنه يُظهر دقة المحدثين وعمق بصيرتهم. ولا يقدر عليه إلا الكبار الذين جمعوا بين الحفظ الواسع والفهم الثاقب. ولهذا قال الإمام أحمد: “معرفة علل الحديث عندي أحبّ إليّ من حفظ كثير من الحديث.”
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | المصطلح وعلم الرجال, رواة الأحاديث, علم علل الحديث



