![]()
عظمة البيان القرآني.. بلاغة تتجلّى في كل حرف
في كل آية من آيات القرآن الكريم ومضة من نور البيان الإلهي، تُظهر عظمة هذا الكتاب في دقته اللفظية وإعجازه البياني الذي يعجز البشر عن مجاراته. لا كلمة في القرآن وُضعت عبثًا، ولا تقديم فيه ولا تأخير إلا وله سرّ بلاغي وحكمة ربانية. ومن يتأمل هذه اللطائف يدرك أن القرآن ليس نصًا لغويًا فحسب، بل معجزة متجددة في كل عصر، تُدهش العقول وتُنعش الأرواح.
دقة التعبير في التقديم والتأخير
من أعظم مظاهر البلاغة القرآنية دقة اختيار الألفاظ وترتيبها. ففي قصة موسى والخضر عليهما السلام، يقول الله تعالى:
«فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا»، فجاء الفعل «يستخرجا» لأن الولدين هما من سيقومان بالفعل بأنفسهما بعد بلوغهما.
أما في قصة ذي القرنين فقال تعالى: «فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا»، ولم يقل «أبني»، لأن المقصود ليس بناءً عادياً بل جداراً محكماً شديد الصلابة أقرب إلى السدّ، فناسب لفظ «أجعل» عظمة الفعل ودقته.
ساء ما يحكمون… وبئسما يشترون
ومن روائع الفروق البلاغية قوله تعالى: «سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ»، وقوله: «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ».
استُعملت «ساء» في سياق الحكم لأنه فعل عقلي يتعلّق بالفكر والتقدير، فناسبه التعبير بـ«ساء» للدلالة على سوء المنطق والحكم.
أما «بئس» فجاءت في سياق الشراء لأنها تتعلق بالصفقات والمقايضات، والصفقة الرديئة يُقال عنها «بئس»، فلكل لفظ موضعه الذي لا يقوم مقامه غيره.
التطهر فطرة لا تكلف
وفي قوله تعالى عن الطهارة من الحيض: «فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ»، لم يقل سبحانه «يطهرن أنفسهن».
ففي هذا الإيجاز إشارة رفيعة إلى أن التطهر أمر فطري تقوم به المرأة دون أمر أو توجيه، فهو جزء من نظامها الطبيعي الذي خلقه الله فيها، لا يحتاج إلى تعبير زائد أو تفصيل مكرّر.
ظلمات الضلال ونور الحق
ومن ألطف أسرار التعبير القرآني قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ».
جاءت «الظلمات» جمعًا لأنها تمثل طرق الباطل المتعددة والمتشعبة، بينما جاء «النور» مفردًا لأن طريق الحق واحد لا يتعدد، فالهداية سبيل واحد، أما سبل الغواية فكثيرة متفرقة.
إن هذه اللطائف ليست مجرد تأملات لغوية، بل هي شواهد على أن كل حرف في القرآن منزل بقدر، وأن بلاغته ليست من صنع البشر بل من وحي رب العالمين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إعجاز القرآن, إعجاز القرآن الكريم, اللطائف القرآنية, بلاغة القرآن, بلاغة القرآن الكريم



