![]()
عروة بن الزبير
أيقونة الصبر والثبات أمام أعظم الابتلاءات
عروة بن الزبير
أيقونة الصبر والثبات أمام أعظم الابتلاءات
من أروع المواقف الخالدة التي تضئ دروب الإيمان وتمنح القلوب قوة في مواجهة المحن ما جرى للتابعي الجليل عروة بن الزبير، حين اجتمعت عليه شدائد متوالية تهز الجبال الراسيات؛ ألم الجسد ببتر ساقه، وفقد فلذة كبده في لحظة خاطفة، ومع ذلك ظل ثابت الجنان، راضيًا بقضاء الله، شاكرًا في قلبه ولسانه. لم يكن موقفه مجرد حادثة عابرة، بل تجلٍّ نادر لمعنى اليقين والتسليم المطلق لقدر الله، ليبقى درسًا خالدًا للأجيال في أن الإيمان الحق يظهر عند الصدمات، وأن الشدائد تصنع من المؤمنين أعظم النماذج في الصبر والثبات.
فقد كان عروة بن الزبير نموذجًا نادرًا في الثبات وقت الشدائد، حيث تروي كتب التاريخ موقفًا مهيبًا وقع له في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، جمع بين ألم الجسد، وفقدان الولد، والثبات العظيم.
دعوة من الخليفة وبداية المحنة
بدأت القصة حين دعا الخليفة الوليد بن عبد الملك، عروة بن الزبير لزيارته في دمشق، فاستجاب التابعي الجليل وانطلق من المدينة المنورة مصطحبًا أحب أبنائه إليه، وأثناء الطريق، أصيب عروة بمرض في رجله تفاقم حتى عجز عن المشي، فدخل دمشق محمولًا.
وأمر الخليفة بجلب أمهر الأطباء لعلاج ضيفه، وبعد الفحص قرر الأطباء أن في ساقه “الآكلة” – ما يعرف اليوم بالغرغرينا – ولا علاج إلا ببترها قبل أن يصل المرض إلى الركبة ويهلكه، وحين أُبلغ عروة بقرار البتر، لم يتردد، واكتفى بالقول: “اللهم لك الحمد”، مستسلمًا لقضاء الله.
وقد عرض عليه الأطباء شرب مخدر أو خمر لتخفيف الألم، فرفض رفضًا قاطعًا، وأصرّ أن تتم العملية وهو يقظ، لكنه اشترط أن يتم ذلك أثناء صلاته، إذ كان إذا قام للصلاة غاب عن الدنيا بكاملها. وبينما هو ساجد، بدأ الأطباء ببتر الساق، فقطعوا اللحم ونشروا العظم دون أن يتحرك أو يئن، حتى أغمي عليه حين سكبوا الزيت المغلي لإيقاف النزيف.
وفي الوقت الذي كان فيه عروة يفقد ساقه، وقع مصاب آخر أكثر إيلامًا؛ إذ لقي ابنه مصرعه بعد أن رفسه أحد خيول الخليفة أثناء مشاهدته لها، فقضى نحبه في الحال.
أُصيب الخليفة بالذهول من توالي المصائب على ضيفه، وتردد في إبلاغه، لكنه في النهاية أخبره بالخبرين تباعًا.
رد عروة: تسليمٌ مطلق وشكرٌ رغم الابتلاء
وأفاق عروة من إغمائه، فقال له الخليفة: “أحسن الله عزاءك في رجلك”، فقال: “اللهم لك الحمد، إنا لله وإنا إليه راجعون”، ثم قال له: “وأحسن الله عزاءك في ابنك”، فكرر العبارة وأضاف:”أعطاني الله سبعة أبناء، وأخذ واحدًا، وأعطاني أربعة أطراف، وأخذ واحدًا. إن ابتلى فقد عافى، وإن أخذ فقد أعطى، وأسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة”. ثم أُحضرت له ساقه المبتورة في طست، فنظر إليها وقال: “إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط، وأنا أعلم”.
قصة عروة بن الزبير ليست مجرد حادثة تاريخية، بل درس خالد في الصبر والإيمان، يعلمنا كيف يكون اليقين عند الشدائد، والتسليم في وقت المحن.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الصحابة, صحابة النبي, عروة بن الزبير



