![]()
عام الحزن.. بين الفقد والرسالة الخالدة
في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يبرز عام الحزن كأحد أكثر الأعوام تأثيراً في مسار الدعوة الإسلامية، إذ اجتمعت فيه أحداث جسام تركت بصماتها على قلب الرسول وعلى مسيرة الرسالة. كان ذلك العام امتحاناً شديداً للروح، وميداناً لاستخلاص العبر التي تتجاوز حدود الزمن لتظل شاهدة على قوة الإيمان وصلابة الإرادة أمام المحن.
فقد السند والرفيق
بدأت أحداث عام الحزن برحيل السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، الزوجة الوفية التي كانت أول من آمن برسالة النبي، وأول من احتضن دعوته في بداياتها الصعبة. كان فقدها صدمة عاطفية وروحية، إذ فقد النبي السند الذي كان يخفف عنه ثقل الرسالة ويمنحه الطمأنينة في لحظات الشدة. ولم يمض وقت طويل حتى لحق بها أبو طالب، عم النبي وحاميه أمام قريش، الذي وإن لم يعلن إسلامه، فقد كان حصناً يحمي الدعوة من بطش قريش. برحيله، انكشفت الدعوة أمام خصومها، واشتد الأذى على النبي وأصحابه.
رحلة الطائف وما حملته من ألم وأمل
في ظل هذا الفراغ، توجه النبي إلى الطائف بحثاً عن نصير جديد للدعوة، لكن الاستقبال كان قاسياً، إذ قوبل بالرفض والسخرية، بل وأُغرِيَ الصبيان برميه بالحجارة حتى سال دمه الشريف. ومع ذلك، لم يكن هذا المشهد نهاية المطاف، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الصبر والثبات. ففي تلك اللحظة الموجعة، رفع النبي دعاءه الشهير إلى ربه، معلناً أن العزاء الحقيقي هو في القرب من الله، وأن الرسالة لا تُقاس بمدى قبول الناس لها في لحظة، بل بمدى صدق حاملها وإخلاصه.
دروس الصبر واليقين
عام الحزن لم يكن مجرد سلسلة من الخسائر، بل كان مدرسة في الصبر واليقين. فقد علّم الأمة أن فقد الأحبة والسند لا يعني نهاية الطريق، بل بداية لاختبار جديد يرسخ الإيمان. كما أظهر أن الدعوة إلى الحق لا تتوقف عند العقبات، وأن الرسالة التي تحمل قيماً خالدة لا يمكن أن تُهزم أمام رفض أو صد. لقد كان هذا العام إعلاناً أن الدعوة ليست رهينة الظروف، بل هي مشروع إلهي يستمر رغم كل العوائق.
إشراقة بعد العتمة
وسط هذه المحن، جاءت رحلة الإسراء والمعراج كمنحة ربانية للنبي، لتؤكد أن السماء تفتح أبوابها حين تضيق الأرض. كانت هذه الرحلة بمثابة تعويض إلهي عن الفقد، وتثبيتاً لقلب النبي، وإشارة إلى أن الدعوة ستتجاوز حدود مكة لتصل إلى آفاق أوسع. وهكذا، تحول عام الحزن من مجرد ذكرى للفقد إلى محطة فارقة في تاريخ الرسالة، حيث تجلّت فيه معاني الثبات والرجاء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أبو طالب, الإسراء والمعراج, الدعوة الإسلامية, السيرة النبوية, الصبر, الطائف, العبر والدروس, اليقين, خديجة بنت خويلد, عام الحزن



