![]()
طلاق الغضبان.. مقارنة فقهية بين المذاهب الأربعة
من المسائل الفقهية البارزة التي كثر حولها الجدل وتكررت في حياة الناس العملية: مسألة وقوع طلاق الغضبان.
وقد اختلفت فيها آراء الفقهاء، خاصةً مع كثرة الحالات التي يُطلق فيها الرجل زوجته في لحظة انفعال أو غضب شديد.
والغضب هو تغير في النفس يطرأ نتيجة انفعال أو انزعاج، وقد يصل بصاحبه أحيانًا إلى فقدان السيطرة على أقواله وأفعاله. والسؤال هنا: هل يقع الطلاق إذا تلفظ به الزوج وهو في حالة غضب؟
ثانيًا: أقوال الفقهاء في المسألة
القول الأول: وقوع الطلاق من الغضبان مطلقًا
وهو قول جمهور الفقهاء من:
الحنفية
المالكية
الشافعية
الحنابلة في المشهور عندهم
والتعليل: هؤلاء يرون أن الغضب لا يمنع من وقوع الطلاق، ما دام الغاضب عاقلًا مدركًا لما يقول. فالغضب – عندهم – من دوافع الطلاق وليس من موانعه، ولذلك لا يُعتد به كعذر يمنع وقوعه.
أدلتهم:الأصل في الطلاق أنه يقع بمجرد تلفظ الزوج به، ما دام بالغًا عاقلًا. كما لم يثبت أن النبي ﷺ أبطل طلاق من غضب، مع كثرة من طلقوا في مثل هذه الأحوال.
والقاعدة: “العقود تترتب آثارها بالقول الصريح، ما لم يمنع مانع شرعي”.
القول الثاني: عدم وقوع الطلاق عند الغضب الشديد
وهو قول:
رواية عن الإمام أحمد
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم
وأفتت به بعض المجامع الفقهية المعاصرة
التفصيل في الغضب:
ميز هذا القول بين ثلاث درجات للغضب:
غضب خفيف: لا يؤثر على الإدراك، يقع الطلاق اتفاقًا.
غضب متوسط: يثير الانفعال لكنه لا يُذهب الوعي، يقع عند جمهور الفقهاء.
غضب شديد يُذهب العقل أو الإرادة: لا يقع الطلاق، لأنه في حكم المجنون أو المكره.
وأدلتهم قول النبي ﷺ: “لا طلاق ولا عتاق في إغلاق”. رواه أبو داود وابن ماجه – وصححه ابن حبان.
وفسر العلماء “الإغلاق” بأنه يشمل الإكراه، أو الغضب الشديد، أو الإغلاق الذهني. وقياس الغضب الشديد على الجنون: لأن الغاضب في هذه الحال لا يعي ما يقول.
قول ابن القيم:”الغضبان الذي لا يعلم ما يقول لا يقع طلاقه باتفاق العلماء”.
الرأي الراجح
الراجح – كما اختاره ابن تيمية وابن القيم – أن الغضب الشديد الذي يُذهب العقل أو الإرادة لا يقع معه الطلاق، أما الغضب المعتاد الذي لا يفقد صاحبه تمييزه فإنه لا يُعد عذرًا، ويقع الطلاق فيه.
وهذا الرأي يُعتد به في الفتوى المعاصرة لكثرة وقوع الطلاق في لحظات انفعال قد تُخرج الإنسان عن وعيه المؤقت، وتُسبب مشاكل أسرية جسيمة.
وقد أفتت بهذا القول:
اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية
مجمع الفقه الإسلامي الدولي
وعدد من كبار العلماء المعاصرين
وتُعد هذه المسألة من المسائل التي تحتاج إلى تحقيق في حال الشخص عند الطلاق، وهل كان مدركًا أم لا. وقد راعت الفتوى المعاصرة واقع الناس وكثرة انفعالهم، فأخذت بالتفصيل الذي ذكره ابن تيمية وابن القيم، وهو القول الذي يجمع بين حفظ الشريعة للأسرة، وعدم التوسع في إبطال العقود دون دليل. لذا يُنصح من طلق زوجته في لحظة غضب أن يُعرض حالته على عالم ثقة أو لجنة فتوى، للنظر في مدى إدراكه وقت الطلاق.



