![]()
شعر الحماسة.. عندما يكون الأدب إيمانا وسيفا
لم يكن شعر الحماسة في التراث العربي مجرد نفخٍ في أبواق الحرب أو تمجيدٍ للسيوف والرماح، بل كان في جوهره صرخة الإيمان في وجه الباطل، ونشيدَ الروح المسلمة وهي تُدافع عن عقيدتها وأرضها وكرامتها. فمنذ أن انصهرت الكلمة في لهب العقيدة، تحوّل الشعر إلى منبر للدعوة والجهاد، يعبّر عن روح الأمة حين تشتد الخطوب، ويذكّرها بأن القوة الحقيقية ليست في العَدد والعدّة، بل في الإيمان الذي يحرّك القلوب قبل السيوف.
ميدان الحماسة في رحاب الإسلام
برز شعر الحماسة مع مطالع الفتح الإسلامي، حين كانت القصيدة تصوغ البطولات وتُلهب الهمم، فينشدها المجاهدون وهم يواجهون الطغيان. وقد ورث المسلمون من الجاهلية فروسيتها، لكنهم طهّروها بروح العقيدة فجعلوها نصرة للحق لا للهوى.
ومن أقدم ما يُروى في ذلك قول الصحابي عبد الله بن رواحة وهو يُحرّض المسلمين في مؤتة:
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صَليتِ
لقد كانت هذه الأبيات أصدق من السيوف، إذ خرجت من قلبٍ يرى في الموت سبيلًا إلى الخلود.
ثم جاء شعراء العصر العباسي كأبي تمام في ديوانه الحماسة ليجمع روائع هذا الفن، فيجعل من الكلمة مرآة لبطولات الإسلام وأمجاده. وفي قوله المشهور:
السيف أصدق أنباءً من الكتبِ في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
نلمس كيف ارتقت الحماسة من مجرد فخرٍ قبلي إلى صوتٍ يُعبّر عن يقين الأمة بربها ورسالتها.
بين الفن والرسالة
تميّز شعر الحماسة الإسلامي بأنه جمع بين الجمال الفني والعمق القيمي؛ فالألفاظ تتوهّج بالإيمان، والصور تفيض بالعزة والتوكّل. لم تعد البطولة غاية دنيوية، بل عبادة تُؤدى بصدق النية، كما قال المتنبي في وصف المجاهدين:
لَبِسوا القلوبَ على الدروعِ وأشرقتْ أيديهِمُ بيضًا كَرأيِ المُهتدي النَّسِكِ
وهكذا صار الشاعر داعية بلسانه، يُنشد ليُربّي لا ليتكسّب، يُثير العزائم ليذكّر بأن الدفاع عن الدين من صميم الإيمان.
الكلمة حين تشتعل إيمانًا
إن شعر الحماسة في الإسلام ليس تراثًا جامدًا، بل هو طاقة روحية تتجدد كلما نادى المنبر أو ضجّت المآذن. فهو صورة من صور الجهاد بالكلمة، وجسرٌ بين الفن واليقين، يُذكّر الأجيال أن الكلمة إن خلت من العقيدة كانت ريحًا، وإن امتلأت بها كانت نارًا ونورًا معًا.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الشعر الإسلامي, الشعر في الاسلام, شعر الحماسة



