![]()
سورتان في القرآن بدأتا بـ “ويل”: بين أكل أموال الناس والاعتداء على أعراضهم
سورتان في القرآن بدأتا بـ “ويل”: بين أكل أموال الناس والاعتداء على أعراضهم
في لغة القرآن، ليست كلمة «ويل» مجرد وعيدٍ عابر، بل هي صرخة غضبٍ إلهي تحمل في طيّاتها التهديد بالعقوبة الشديدة لمن انحرف عن ميزان العدالة والأخلاق. وقد وردت هذه الكلمة في مطالع سورتين اثنتين من كتاب الله، كلتاهما ترسم ملامح الانحدار الإنساني حين يطغى حبّ الدنيا على ميزان الدين: سورة المطففين وسورة الهمزة. الأولى توعّدت من يسرق أموال الناس بخداع المكيال والميزان، والثانية أنذرت من ينهش أعراضهم بالغيبة واللمز والسخرية. وبين المال والعِرض تتجلى أعظم حقوق الإنسان التي حماها الإسلام بصرامةٍ وعدل.
ويل للمطففين: الفساد الاقتصادي في ميزان القرآن
تبدأ سورة المطففين بهذا الوعيد الصارخ: «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ»، في إشارة إلى فئةٍ من الناس لا تسرق بالسلاح، بل تُفسد السوق بالغشّ والتلاعب في الموازين. والمطفف هو من يأخذ حقه كاملاً إذا اشترى، ويبخس الناس حقوقهم إذا باع. إنها جريمة اقتصادية تنبع من أنانيةٍ خفية تُحيل التعامل التجاري إلى ميدانٍ من الظلم والاستغلال. وفي هذا التحذير تتجلى حكمة القرآن في ربط العبادات بالأخلاق، فالتطفيف في الكيل ميزانٌ لا يقلّ خطرًا عن التطفيف في القيم والضمير.
إنها صرخة في وجه من يعتدي على أموال الناس، فالمال في الشريعة أمانة لا تُنال إلا بالحق، ومَن خانها أفسد نظام الحياة ومقاصد الشريعة في حفظ الملكية والعدالة.
ويل لكل همزة لمزة: الفساد الأخلاقي في ميزان اللسان
ثم تأتي سورة الهمزة لتكمل المشهد من زاوية أخرى، فتبدأ بذات الوعيد: «وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ»، أي لكل من جعل من ألسنته وسهامه وسيلته للطعن والسخرية والازدراء. فالهمزة هو المغتاب الذي يجرح الناس في غيابهم، واللمزة هو المستهزئ الذي يعيبهم في حضورهم. وهنا يتحوّل العدوان من سرقة المال إلى سرقة الكرامة، ومن التطفيف في الكيل إلى التطفيف في المحبة والاحترام.
لقد جمع القرآن بين السورتين ليقول إن المجتمع لا ينهار فقط حين يُنهب المال العام، بل أيضًا حين تُنتهك الأعراض وتُقتل السمعة في الأسواق والمجالس والمنصات. فكما أن الغشّ يهدم الثقة في التجارة، فإن الهمز واللمز يهدم الثقة بين القلوب.
بين المال والعرض: وحدة القيم في رسالة السماء
بهذا التناظر البديع بين السورتين، يرسم القرآن لوحة متكاملة للفساد الإنساني في جانبيه المادي والمعنوي. فمن تطفّف في البيع تطفّف في القول، ومن خان الميزان خان اللسان. فالأمانة واحدة، وإن اختلفت مجالاتها.
إن كلمة «ويل» في مطلع السورتين ليست مجرّد تهديد بالعقوبة في الآخرة، بل تحذيرٌ اجتماعيّ في الدنيا، لأن المجتمع الذي يسكت عن أكل أموال الناس أو عن اغتيال أعراضهم، يسقط تدريجيًا من ميزان العدل إلى هاوية الفوضى.
وهكذا يضعنا القرآن أمام مرآةٍ منصفة: هل نحن منصفون في تعاملنا كما نحن منصفون في كلامنا؟ وهل نزن الناس بميزانٍ واحد في السوق وفي المجلس؟ فـ«ويل» هنا ليست كلمة عابرة، بل إنذارٌ من السماء أن العدل كلٌّ لا يتجزأ، وأن من حفظ أموال الناس ولم يحفظ أعراضهم، ما زال في دائرة الوعيد.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, أكل أموال الناس, سورة المطففين, سورة الهمزة, ويل



