![]()
سلوان القلوب في هدي القرآن: يعقوب عليه السلام نموذجًا لصبر المكلومين
سلوان القلوب في هدي القرآن: يعقوب عليه السلام نموذجًا لصبر المكلومين
في رحاب القرآن الكريم، تتجلّى أنوار الهداية وتُشرق بوارق الطمأنينة، فهو كتاب أنزله الله ليكون دواءً للقلوب، وشفاءً للأرواح، وهدايةً للحيارى في دروب الحياة. وما بين آياته العطرة، نجد معالجة رفيعة لشؤون النفس الإنسانية، إذ يقدّم منهجًا ربّانيًا متكاملاً يجمع بين الإيمان العميق، والتعبير الصادق عن المشاعر، والصبر الجميل الذي يرفع البلاء ويضيء مسالك الرجاء. ومن أبهى النماذج التي ساقها القرآن لنا في هذا الباب، قصة نبي الله يعقوب عليه السلام، وهو يواجه فقد أحبّ أبنائه إلى قلبه، يوسف عليه السلام.
الحزن النبوي بين المكابدة واللجوء إلى الله
يصف القرآن الكريم المشهد المؤلم لحال يعقوب:
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].
فقد عاش يعقوب حزناً مكظوماً يعتصر فؤاده حتى غلبت دموعه على بصره، ومع ذلك لم ينسَ أن يلوذ بركن شديد، فقال في ثبات الموقن: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. لقد قدّم النموذج الأسمى في أن الحزن ليس عيبًا في الإيمان، وإنما المعيب أن يستسلم المرء لليأس وينقطع عن الله.
دروس قرآنية في مواجهة الضغوط النفسية
من مدرسة يعقوب، نستخلص جملة من الدروس العملية والروحية:
اللجوء إلى الله أولاً: فالقرآن يعلّمنا أن الشكوى الصادقة إلى الله هي سبيل الطمأنينة، لا الانكسار للضغوط ولا الغرق في التوجع.
التعبير المشروع عن الحزن: إذ لم يُمنع يعقوب من البوح بألمه، فالمؤمن يملك أن يعبّر عن حزنه في حدود الحكمة، دون الانحدار إلى الجزع أو القنوط.
فهم طبيعة البلاء: يفرق القرآن بين المصيبة التي قد تصيب الإنسان صغرت أم كبرت، والبلاء الذي هو امتحان ورفع درجات، والعقوبة التي تكون جزاءً على الذنب. هذا الوعي يمنح القلب قوة على التحمل ويبدّد الاضطراب.
الصبر الجميل: وهو الصبر بلا شكوى للخلق، مقرونًا بالرضا والثقة في وعد الله، وقد كان شعار يعقوب: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18].
إشراقة المنهج القرآني في تربية النفس
إن القرآن الكريم لا يدع الإنسان وحيدًا أمام ضغوطه النفسية، بل يمدّه بالمنهج العملي والروحي في آنٍ واحد؛ يعلّمه أن الاعتراف بالحزن لا ينافي الإيمان، وأن الاستعانة بالله تفتح أبواب السكينة، وأن الصبر المقرون بالاحتساب يرفع الكروب ويبدّلها مغانم. وقصة يعقوب عليه السلام تبقى منارةً للمكلومين، ودروسًا خالدة تؤكد أن الطريق إلى شفاء النفس يبدأ من السجود لله، ومن البوح بين يديه، حيث تنجلي الغموم وتنشرح الصدور.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, الصبر على الابتلاء, سيدنا يعقوب, نبي الله يعقوب



