![]()
سرُّ اختيار لغة قريش لسانًا للوحي
حين أُنزل القرآن العظيم، لم يكن اختيار لسانه اعتباطًا، بل كان حكمة إلهية بالغة، تفيض أسرارها على المتأمل في دقائق التاريخ واللغة معًا. فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، ولكن هذا اللسان جرى على لهجة مخصوصة هي لهجة قريش، القبيلة التي احتضنت الكعبة المشرفة، وامتد سلطانها الروحي والاقتصادي في قلب الجزيرة.
لقد تميزت لغة قريش بالصفاء والاعتدال، إذ لم تختلط بلهجات غريبة كما اختلط لسان سائر القبائل، وذلك بحكم موقع مكة الذي كان ملتقى القوافل والأسواق. فكانت قريش تسمع لهجات العرب كلها، ثم تنتقي من ألفاظها أفصحها وأجملها، حتى صار لسانها أرقى وأوضح من سائر الألسنة. يقول ابن فارس في الصاحبي: “كانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها تستمع إلى العرب، فتأخذ من لغاتهم أحسنها وتدع ما سوى ذلك، حتى صار لسانها أصفى الألسنة وأرقاها.”
ومن جهة أخرى، فإن قريشًا كانت في مركز ديني وتجاري جعلها محط أنظار العرب قاطبة. فالكعبة المشرفة في حوزتها، والحجيج يفدون إليها من كل فج، والأسواق الكبرى –كعكاظ ومجنة وذي المجاز– تُدار في ظلها. فكان من تمام الحكمة أن تكون الرسالة الخاتمة بلسانها، حتى يبلغ الخطاب القرآني جميع العرب بلا حواجز، ثم ينطلق بعد ذلك إلى آفاق العالم.
ويشير الزمخشري في الكشاف إلى أن نزول القرآن بلغة قريش إنما هو من تمام البلاغة، لأنها لهجة يفهمها جميع العرب، وهي أليق الألسنة بحمل معاني الوحي الإلهي. وكذلك قال أبو عبيدة: “أجود اللغات لغة قريش، وهي التي نزل بها القرآن.”
كما أن اختيار لهجة قريش إنما كان تهيئة لانتشار الإسلام عالميًا، لأن اللغة القريشية كانت وسطًا جامعًا بين لهجات العرب المختلفة، يسهل على جميع القبائل أن تفهمها دون مشقة. وبذلك صار القرآن معيارًا للفصاحة، وجامعًا لوحدة العرب بعد تفرقهم، حتى قال الجاحظ: “قريش أجود العرب انتقادًا للألفاظ وأسهلها على اللسان وأحسنها مسموعًا.”
إنها لطيفة قرآنية تبرز عناية الله بكتابه، إذ اختار له من الألسنة أصفاها، ومن اللهجات أبينها، ومن القبائل أعلاها شأنًا، ليبقى القرآن محفوظًا في ثوب لغوي خالد، لا يزول صفاؤه ولا تخفت جلالته.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, اللغة العربية, لغة قريش



