روح النبي الراضية

لا يرد موجودًا ولا يكلّف مفقودًا

من أبهى ما تجلّى في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تلك الروح الراضية القانعة التي تتلقّى النعم بصفاء، وترفض أن تُثقل على أحد بطلب أو تكلّف. كان صلى الله عليه وسلم في طعامه مثال...
الشهادتين عصمة وحماية

روح النبي الراضية

لا يرد موجودًا ولا يكلّف مفقودًا

من أبهى ما تجلّى في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تلك الروح الراضية القانعة التي تتلقّى النعم بصفاء، وترفض أن تُثقل على أحد بطلب أو تكلّف. كان صلى الله عليه وسلم في طعامه مثال الأدب الرفيع والذوق الإلهي الهادي، يأكل إذا وُجد الطعام، ويحمد الله عليه، ولا يعيبه، وإن لم يجده صبر واحتسب، لا يتكلف ما لا يجد، ولا يرد ما قُدّم إليه من طعامٍ حلالٍ وإن كان يسيرًا.

روى أنس بن مالك رضي الله عنه: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، فهي مدرسة في الذوق الإنساني، تُعلّم القبول بالمتاح، وحسن التقدير لجهد الآخرين، فلا جفاء في لسانه، ولا تجهم في وجهه، بل شكرٌ يفيض رضا، وحياءٌ يمنع الحرج.

وكان صلى الله عليه وسلم يكره التكلّف في الطعام، ويرى فيه بابًا من أبواب الكِبر والرياء، لذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان فراشه أدمًا حشوه ليف، وكان طعامه خبزًا وماءً. لم يكن يطلب لونًا على لون، ولا صنفًا على صنف، بل يرضى بما رزق الله، يواسي الفقير بالفعل قبل القول، حتى ليغلب على طعامه البساطة والزهد.

وفي موقف آخر، دُعي صلى الله عليه وسلم إلى طعامٍ فيه بُسْرٌ وتمْرٌ، فلم يُعرض عنه تواضعًا، بل أكل منه شكرًا، ليعلّم الأمة أن البركة في الرضا لا في الترف، وأن كمال المرء في تهذيبه لنفسه قبل مائدته.

كان عليه الصلاة والسلام إذا جلس إلى الطعام سمّى الله، وإذا فرغ حمده، فلا يمد يده إلا بذكر، ولا يرفعها إلا بشكر. وكان يقول: الطعام بركة، فخذوا من حافّته، ولا تأكلوا من وسطه، تعليمًا للآداب ولحفظ البركة في المأكل. وهكذا جمع بين طهارة اليد، ونقاء القلب، وأدب اللسان، ليصوغ من أبسط لحظة يومية موقفًا يضيء به ضمير الإنسان.

إن في أدب النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه رسالةً راقيةً لأمةٍ غلب عليها الترف والشكوى: أن الشكر أزكى من الامتنان، وأن الرضا زاد القلب، وأن كمال الأدب أن لا ترد موجودًا، ولا تتكلّف مفقودًا.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
الأعرابي الذي بال في المسجد..
يعد موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد من أشهر المواقف النبوية التي تجسد الرحمة...
المزيد »
أوترانتو..
تعد مدينة أوترانتو في جنوب إيطاليا آخر المدن التي دخلت تحت السيطرة العثمانية في عهد السلطان محمد الفاتح،...
المزيد »
عمرو بن معديكرب..
يعد الصحابي الجليل عمرو بن معديكرب الزبيدي، المعروف بكنيته "أبو ثور"، واحدا من أشهر فرسان العرب الذين...
المزيد »
مولد النبي ﷺ..
ارتبط مولد النبي محمد ﷺ في الذاكرة الإسلامية بجملة من الأحداث والعلامات التي تناولتها كتب السيرة والتاريخ،...
المزيد »
حين خاف الخليفة من الرشوة..
يقدم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز نموذجا بارزا في الزهد والورع ومراقبة الله، فقد جمع بين مسؤولية...
المزيد »
«خير البر عاجله»..
تتردد عبارة "خير البر عاجله" على ألسنة كثير من الناس، ويستعملها البعض في أحاديثهم وكتاباتهم على أنها...
المزيد »
شجاعة الرسول..
كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم نموذجا فريدا في اجتماع صفات القيادة والرحمة والشجاعة، فقد جمع بين قوة...
المزيد »
إطالة السجود في النوافل..
تعد إطالة السجود في النوافل من الأعمال التي تمنح المسلم فرصة ثمينة للوقوف بين يدي الله تعالى في حال من...
المزيد »
حجية خبر الآحاد..
يعد خبر الآحاد من الموضوعات المهمة في علم الحديث وأصول الفقه، لما له من أثر كبير في معرفة الأحكام الشرعية...
المزيد »
أخطاء الغنة..
من أدقّ الأصوات التي يتدرّب عليها متعلّم التجويد، وأكثرها عرضة للزلل واللبس، ذلك الصوت الذي يخرج من الخيشوم...
المزيد »
سورة الأنفال..
سورة الأنفال هي السورة الثامنة في ترتيب المصحف الشريف، وهي من السور المدنية التي تناولت عددا من القضايا...
المزيد »
«وعنت الوجوه للحي القيوم»..
وردت هذه الآية الكريمة في سورة طه ضمن مشهد من مشاهد يوم القيامة، قال تعالى: "وعنت الوجوه للحي القيوم...
المزيد »
«يا بني اركب معنا»..
تقدم قصة نبي الله نوح عليه السلام في القرآن الكريم نموذجا غنيا بالدلالات الإيمانية والتربوية والإنسانية،...
المزيد »
«كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل»..
تتناول سورة آل عمران جانبا مهما من الحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب، وتكشف كيف...
المزيد »
حكايات تطغى على الحكمة..
تحتل خطبة الجمعة مكانة فريدة في المنظومة التعبدية والتربوية للمسلمين، فهي اللقاء الأسبوعي الذي يجتمع...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك