دور الخطاب الديني في مواجهة العلمانية المتطرفة

في الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل حول ضرورة تجديد الخطاب الديني، يوجه بعض رموز التيار العلماني العربي سهام النقد إلى العلماء والدعاة الإسلاميين، متهمين إياهم بالمسؤولية عن نشوء الحركات المتطرفة وما تفرزه من عنف فكري...
اغتراب الهوية.. العلمانية في الواقع العربي وتأثيرها على الفكر الإسلامي

دور الخطاب الديني في مواجهة العلمانية المتطرفة

في الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل حول ضرورة تجديد الخطاب الديني، يوجه بعض رموز التيار العلماني العربي سهام النقد إلى العلماء والدعاة الإسلاميين، متهمين إياهم بالمسؤولية عن نشوء الحركات المتطرفة وما تفرزه من عنف فكري وسلوكي.
ويطالب هؤلاء اليوم بتقليص نفوذ العلماء وإعادة تشكيل الخطاب الديني وفق رؤيتهم الخاصة للدين والمجتمع.
لكن المفارقة، كما يراها كثير من العلماء، أن هذا التيار الذي يرفع شعارات الانفتاح والتسامح لا يتردد في تبني خطاب إقصائي فوقي، يرفض كل من يحمل رمزًا دينيًا أو يعبّر عن التزامه بالعقيدة الإسلامية.
وهذا النهج يعكس مواقف أيديولوجية مستوحاة من “العلمانية الأتاتوركية” التي ألغت المظاهر الدينية من الحياة العامة في تركيا، حتى بلغ بها الأمر إلى تحويل الأذان من العربية إلى التركية.
ويسعى هذا التيار إلى ترسيخ قناعة مفادها أن الدين بطبيعته يتعارض مع مفاهيم المدنية الحديثة، وأن دخول عالم الحداثة يتطلب نزع كل سمة دينية.
وهذه الرؤية، تولد حالة من الصدام داخل المجتمعات التي يعد الدين فيها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والاجتماعية، وهو ما يغذي ردود فعل مضادة، تصل أحيانًا إلى حد التطرف.
وتنبع خطورة هذا الخطاب من محاولاته فصل المجتمعات عن ذاكرتها التاريخية والدينية، بحجة أن القديم محكوم بسياقاته، ولا يمتلك قدرة على التأثير في الواقع. ويترافق ذلك مع دعوات إلى قراءة النصوص الدينية قراءة “معاصرة”، لا تستند إلى أصول علمية، بل تنطلق من ما يراه القارئ نافعًا، في تجاهل متعمد لأدوات التأويل وضوابط الاجتهاد.
ويرى علماء، أن هذه القطيعة المعرفية بين المجتمع والدين لا تُنتج تجديدًا حقيقيًا، بل تُعمق الانفصال وتؤدي إلى صراعات داخلية بين أنماط الحياة الجديدة والموروث الديني، ما يجعل من التطرف في أحد صوره ردة فعل مباشرة على محاولة إقصاء الدين عن المجال العام.
وفي المقابل، فإن دعوات التجديد الديني الحقيقية تنشأ من داخل المجتمع، بدافع من احتياجاته وتطوره، كما حدث عبر التاريخ الإسلامي في نشوء المذاهب الفقهية واستحداث مؤسسات إدارية وفقًا لمقاصد الشريعة. فالتجديد – كما يراه المختصون – ليس قرارًا فوقيًا يُفرض، بل هو تفاعل طبيعي بين النص والواقع، شرط أن يكون منضبطًا بضوابط العلم والدين.
ويشير البعض، إلى أن حالة الركود التي أصابت المجتمعات الإسلامية في بعض العصور، كانت نتيجة لجمود فكري واتكالية مفرطة على ما كتبه السابقون، دون فقه حقيقي للقرآن ومقاصده. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة إحياء المشروع التجديدي من خلال تعليم الناس لغة الشريعة ومفاهيمها، حتى يكون التجديد نابعًا من الداخل، بعيدًا عن الإملاءات الأيديولوجية أو محاولات النيل من الدين.
وتؤكد تجارب التاريخ، أن المجتمع إذا تُرك ليختار ممارسة دينه بحرية ووعي، فإنه يلفظ بطبيعته مظاهر الغلو والتطرف، كما فعل في زمن الخوارج الذين لم يصمدوا أمام الرفض المجتمعي العام. فالتطرف غالبًا ما يكون ردة فعل على تطرف مضاد، وليس نتيجة مباشرة للدين نفسه.
وفي النهاية، فإن تجديد الخطاب الديني لا يتحقق بإقصاء الدين من الحياة، بل بإعادة فهمه وتفعيله في ضوء الواقع، مع احترام خصوصية المجتمعات وهويتها الثقافية والدينية.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
"ذو مرة فاستوى".. وصف جبريل بين القوة وكمال الهيئة
يأتي قوله تعالى في سورة النجم: "ذو مرة فاستوى" في سياق وصف جبريل عليه السلام، ذلك الملك العظيم الذي نزل...
المزيد »
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك