![]()
خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة إلى خطاب ينزل من برجه العالي ليمشي في أسواق الحياة، يلامس جراح البشر ويعانق آمالهم. فالدين في جوهره رسالة حية، نزلت لتكون دستوراً للوجود الإنساني بكل تعقيداته، تهدي إلى سواء السبيل في المعاش كما في المعاد، وتؤسس لموازنة دقيقة بين الروح والمادة، بين العبادة الخالصة والعمران الواسع.
صرخة الواقع: ضرورة التحول من الثابت إلى المتحرك
وسط أمواج المشكلات المجتمعية العاتية من بطالة تخنق الأحلام، وفقر يذوي الكرامة، وأزمات صحية تهزّ الأمان، فضلاً عن موجات الإحباط التي تغمر أجيالاً بأكملها، يعلو النداء بتجديد الخطاب الديني ليصبح صدىً لألم الناس ومرشداً عملياً لحلولهم. هذا التجديد ليس خروجاً عن الأصول، بل هو عودة إلى روح النص ومقاصده الحية، التي تتفاعل مع متغيرات الزمان والمكان. فالخطاب الذي يحلق في فضاء التجريد دون أن يلامس أرض الواقع يفقد فعاليته، بينما الخطاب المتجدد يبني جسراً بين النص الثري والواقع المتشابك، ليكون الدين إطاراً شاملاً يقدّم أدوات أخلاقية وروحية لمواجهة التحديات اليومية.
العمل عبادة: مقاربة دينية لمواجهة شبح البطالة
تعتبر البطالة من أخطر القوارع الاجتماعية التي تهزّ كيان المجتمعات وتقوض استقرارها، فهي تفتح أبواب الفقر وتغذي الإحباط وتزرع بذور التهميش. وهنا يبرز دور الخطاب الديني المتجدد في تأصيل قيمة العمل كشكل من أشكال العبادة الرفيعة، وترسيخ مفهوم أن الكسب الحلال سعيٌ مبارك لا يقل مكانة عن سائر العبادات. كما يقع على عاتق هذا الخطاب تحفيز روح الابتكار وريادة الأعمال، والدعوة إلى إتقان المهن، ورفع شعارات العدالة الاجتماعية التي تضمن تكافؤ الفرص للجميع، مستلهماً من المقاصد الشرعية السامية التي تحفظ كرامة الإنسان وتحارب الظلم.
التكافل نظاماً: من القيم الروحية إلى البرامج العملية
ليس الفقر مجرد رقم في إحصائية اقتصادية، بل هو جرح عميق في نسيج الكرامة الإنسانية، وأزمة أخلاقية قبل أن تكون مادية. ويقتضي تجديد الخطاب الديني إحياء البعد الاجتماعي للدين، من خلال تحويل قيم الزكاة والصدقة والوقف والتكافل من ممارسات فردية موسمية إلى أنظمة مؤسسية مستدامة لمحاربة الفقر وتضييق الفجوات الطبقية. إن الخطاب الديني الحي هو الذي يحوّل التعاطف الوجداني إلى مبادرات عملية، والرحمة القلبية إلى مشاريع إنقاذية تحمي الإنسان من براثن الحاجة وتعيد إليه إحساسه بقيمته.
من المنبر إلى الميدان: الدين شاهداً وفاعلاً
يكمن لبّ تجديد الخطاب الديني في نقله من دائرة الوعظ النظري إلى فضاء الفعل المجتمعي. فالداعية المعاصر لم يعد مجرد ناقل للنصوص، بل صار شاهداً على عصره، يشارك في تشخيص علله ويقترح علاجات مستمدة من القيم الدينية، ومتناغمة مع معطيات العلم والخبرة الإنسانية. وبهذا التحوّل ينتقل المسجد والمنبر من مكان للخطاب الأحادي إلى فضاء للحوار والتوعية والبناء، حيث يلتقي المبدأ بالواقع، ويتحول الدين إلى قوة دافعة للإصلاح وطاقة إيجابية تساهم في صناعة الحياة.



