![]()
حين يُعطّل الفهمُ المقصدَ..
صرخة فقهية في وجه الجمود
لم يعد يكفي أن نُمسك بالنصوص كما يُمسك الأعمى بالعصا، بل لا بد من أن نُبصر الطريق الذي أراده الشارع الحكيم من وراء تلك النصوص. فكم من حكمٍ شرعيٍّ طُبّق بظاهره، فكان وبالاً على الناس، وكم من فتوى خرجت من رحم الحرف، فوأدت روح الشريعة. هنا، في هذا المفصل الحرج، يتجلّى فقه المقاصد، لا كعلمٍ نظريٍّ يُدرّس في قاعات الجامعات، بل كمنهج حياة، يُنقذ النص من أن يُستخدم ضد غايته، ويُعيد للفقه روحه التي كادت أن تُطمس تحت ركام التقليد.
المقصد قبل النص: حين يكون الحرف خادعاً
ليس كل ما يُفهم من ظاهر النص هو مراد الشارع، وليس كل تطبيقٍ للنص هو تطبيقٌ للشريعة. فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، ودرء المفاسد عنهم، لا لتعقيد حياتهم أو إرباك واقعهم. وقد بيّن الإمام الشاطبي أن “المقاصد هي روح الشريعة”، وأن “من لم يفهم المقصد، فقد أخطأ الفهم، وإن أصاب النص”. فكم من آيةٍ أو حديثٍ فُهمت على ظاهرها، فحُرّمت ما أُبيح، أو أُبيح ما حُرّم، لأن الفقيه لم ينظر إلى الغاية، بل اكتفى بالوسيلة.
نماذج من الواقع: حين انقلب الحكم على نفسه
في بعض المجتمعات، يُمنع الفقراء من أخذ الزكاة لأنهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية، رغم أن مقصد الزكاة هو رفع الفقر، لا إثبات الهوية. وفي بعض الفتاوى، يُمنع تزويج المرأة من كفءٍ لها بحجة اختلاف المذهب، رغم أن مقصد الزواج هو العفاف والاستقرار، لا توحيد المذاهب. هذه النماذج ليست شذوذاً، بل هي نتيجة حتمية لتغليب الظاهر على المقصد، ولتحويل النص إلى أداة فصلٍ لا وصل، وتحكّمٍ لا رحمة.
الوسائل ليست غايات: قاعدة المقاصد في التطبيق
من القواعد الفقهية الراسخة أن “الوسائل لها أحكام المقاصد”، أي أن كل وسيلة تُفضي إلى مقصدٍ معتبر، تُعامل بحكمه. فلو كانت الوسيلة تؤدي إلى مفسدة، فهي ممنوعة، ولو كانت تؤدي إلى مصلحة، فهي مشروعة. لكن حين تُعامل الوسيلة كغاية، يُفقد الفقه توازنه، ويُصبح التطبيق عبئاً لا رحمة. وقد نبّه العلماء إلى أن “الجمود على الظاهر يُعطّل المقاصد”، وأن “الاجتهاد الحقيقي هو في فهم الغاية، لا في تكرار الوسيلة”.
فقه المقاصد: بوصلة الفقيه في زمن التداخل
في زمنٍ تتداخل فيه القضايا، وتتشابك فيه المصالح، لا بد للفقيه أن يحمل بوصلة المقاصد، لا مجرد خارطة النصوص. فالمقاصد هي التي تُرشد الفقيه إلى الحكم الصحيح، وهي التي تمنع الانحراف في التطبيق، وهي التي تُعيد للشريعة وجهها المشرق. وقد قرر العلماء أن “الاجتهاد في المقاصد أولى من الاجتهاد في الوسائل”، وأن “من فهم المقصد، سهل عليه تنزيل الحكم على الواقع”.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الاجتهاد المقاصدي, التطبيق الظاهري, الشاطبي, الفقه الإسلامي, المقاصد الشرعية, الوسائل والغايات, تحقيق المصالح, درء المفاسد, فقه المقاصد, فهم النصوص, قواعد الفقه



