![]()
حسن الاستهلال في الخطبة.. مدخل التأثير وعنوان النجاح
حسن الاستهلال في الخطبة.. مدخل التأثير وعنوان النجاح
الخطبة في جوهرها فنّ مخاطبة العقول واستمالة القلوب، وهي عمل يتداخل فيه الفكر بالشعور، والبيان بالإيمان. ولأن اللحظات الأولى من الخطبة هي التي تحدد مدى تفاعل الجمهور معها، فقد أولى البلغاء والمربّون فنّ الاستهلال عناية خاصة، وعدّوه مفتاح النجاح الخطابي، وميدان التفاضل بين الخطباء.
أولًا: معنى حسن الاستهلال وأهميته
الاستهلال هو المدخل الذي يفتتح به الخطيب خطبته ليهيئ النفوس لتلقّي ما سيقول، ويشدّ انتباه المستمعين منذ اللحظة الأولى.
فحسن الاستهلال لا يعني مجرد افتتاح جميل في اللفظ، بل هو مدخل مؤثر يحمل نَفَس الموضوع ويعكس روح الخطيب ووعيه برسالته.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحسن الافتتاح في خطبه، فيبدأ بالحمد والثناء على الله، ثم يمهد تمهيدًا يربط بين المقدمة والموضوع، فيتدرج بالجمهور من الإصغاء إلى التأثر ثم إلى الفعل.
ثانيًا: مقومات الاستهلال الناجح
- الارتباط بالموضوع: يجب أن يكون الاستهلال بوابة طبيعية لما سيأتي بعده، لا كلامًا معزولًا عن لبّ الخطبة. فالتمهيد الذكي يزرع في أذهان السامعين تساؤلًا ينتظر جوابه داخل الموضوع.
- الإيجاز والوضوح: المقدمة القصيرة البليغة تُصيب الهدف دون أن تملّ الأذن أو تُشتّت الانتباه.
- الصدق العاطفي: من أهم أسرار التأثير أن يشعر الجمهور بأن الخطيب يتحدث من قلبه لا من ورق. فكل استهلال يخلو من حرارة الصدق يُفقد الخطبة روحها.
- الأسلوب الجاذب: سواء كان بآية قرآنية، أو حديث نبوي، أو قصة مؤثرة، أو تساؤل يثير الفكر، فالمهم أن يوقظ الانتباه ويوقظ الإيمان معًا.
ثالثًا: أنواع الاستهلال في الخطبة
- الاستهلال القرآني: وهو أبلغ الأنواع، إذ يفتتح الخطيب بآية تمهّد لموضوعه، مثل قوله تعالى: “يا أيها الناس اتقوا ربكم…”، فيستشعر السامع قدسية الموقف.
- الاستهلال النبوي: بالحديث الشريف، وهو من أساليب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في خطبه.
- الاستهلال الوجداني: يبدأ فيه الخطيب بجملة مؤثرة أو مشهدٍ واقعيٍّ يحرّك المشاعر ويهيئ النفوس.
- الاستهلال العقلي أو التساؤلي: يفتتح الخطيب بسؤالٍ يثير التفكير ويجذب العقول إلى محور الخطبة، كأن يقول: “ما بالُنا اليوم نطلب السعادة في غير موضعها؟”
رابعًا: أثر حسن الاستهلال في الجمهور
النفوس بطبعها تنجذب إلى أول ما يُسمع، فإذا جاء الاستهلال موفقًا، أسَرَ القلوب وهيّأها للإنصات، وجعل السامعين يعيشون مع الخطيب فكرًا وشعورًا.
أما إذا كان باهتًا أو غريبًا عن الموضوع، تسرّب الملل منذ البداية، وضاع التواصل قبل أن يبدأ. ولهذا كان البلغاء يقولون:
“من أحسن الابتداء، أمن العثار في الانتهاء.”
إن حسن الاستهلال ليس مجرد افتتاحٍ لفظي، بل هو فن التهيئة والتأثير والإقناع، وبه تُقاس براعة الخطيب ومقدرته على الإمساك بعقول الناس ووجدانهم منذ اللحظة الأولى.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أركان الخطبة, الخطبة الناجحة, حسن الاستهلال, عناصر الخطبة الناجحة, مقدمة الخطبة



