![]()
جمود الطرح.. انفصال بالخطاب عن الواقع
يعيش الخطاب الديني التقليدي أزمة حقيقية في العصر الحديث، حيث يلاحظ عزوف فئة واسعة، خاصة من الشباب، عن الاستماع إلى الدروس والمحاضرات الدينية أو التفاعل معها. لم تعد الكلمات الرنانة أو الأساليب الوعظية التقليدية كافية لإقناع جيل بات يبحث عن المنطق، والطرح الواقعي، والإجابات الدقيقة لأسئلته المعاصرة. فهل فشل الخطاب الديني في مواكبة التحولات..
الجمود أبرز سمات الخطاب التقليدي
من أبرز ملامح الأزمة أن كثيرًا من الخطباء والدعاة لا يزالون يستخدمون أساليب تقليدية في التوجيه، تعتمد على التخويف والوعيد وتكرار القصص دون ربطها بالواقع. هذا الجمود في الطرح يجعل المتلقي يشعر بأن الخطاب منفصل عن حياته اليومية، ولا يجيب على تساؤلاته العصرية.
أسباب العزوف عن الخطاب الديني التقليدي
غياب لغة العصر:الشباب اليوم يتحدثون بلغة التكنولوجيا، ويفكرون بمنهج نقدي ومنطقي. في المقابل، كثير من الخطابات الدينية ما زالت تُقدَّم بلغة خشبية لا تراعي تطور العقلية ولا تجيب عن الإشكالات الفكرية الجديدة.
التكرار والسطحية: الاعتماد على الموضوعات المتكررة، وتجاهل القضايا الفكرية والاجتماعية الجديدة، جعل الخطاب الديني يبدو رتيبًا وسطحيًا لا يقدّم حلولًا واقعية ولا يتناول التحديات التي يواجهها المسلم اليوم.
ضعف التكوين العلمي لبعض الخطباء: يؤدي قلة الاطلاع على العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، وعدم الإلمام بالتطورات التكنولوجية والقانونية والثقافية، إلى تقديم خطاب غير مقنع، بل أحيانًا يتسم بالتناقض أو التناقض مع العلم والمنطق.
غياب القدوة والأسوة الحسنة: يفقد الخطاب الديني تأثيره حين يتناقض مع سلوك بعض من يعتليه. فغياب المصداقية بين القول والفعل يجعل الجمهور، وخاصة الشباب، يتشكك في جدوى ما يُقال.
توظيف الخطاب دينيًا أو سياسيًا: عندما يتحول الخطاب الديني إلى أداة لخدمة أجندات سياسية أو فكرية ضيقة، يُفقَد جوهره التربوي والدعوي، ويتحول إلى خطاب نفور لا خطاب هداية.
ملامح الخطاب الديني المنشود
حتى يستعيد الخطاب الديني مكانته وتأثيره، لا بد من تحوّل جذري في طريقة تقديمه، يقوم على:
الربط بالواقع: يجب أن يتناول الخطاب الديني قضايا العصر: التكنولوجيا، العلاقات الاجتماعية، الضغوط النفسية، التحولات الأخلاقية، وغيرها.
اللغة العقلانية المقنعة: لا بد من تقديم الدين بأسلوب منطقي علمي، يربط بين النصوص الشرعية والواقع المعاصر، ويطرح البدائل لا مجرد التوصيات.
فتح أبواب الحوار: بدلًا من الوعظ الأحادي، لا بد من خلق مساحة تفاعلية بين الداعية والجمهور، قائمة على النقاش والاحترام المتبادل.
تأهيل الدعاة علميًا وفكريًا: لا يمكن تجديد الخطاب دون تجديد أدوات من يقدمه، عبر تدريب وتأهيل يشمل العلوم الحديثة، وقواعد التواصل، وفهم النفس البشرية.
الخطاب الديني ليس مجرد كلمات تُلقى على المنابر، بل هو رسالة تربوية وحضارية عظيمة، إن لم تواكب تحديات العصر وتُقنع العقول وتُلامس القلوب، فإنها ستفقد تأثيرها. التجديد لا يعني التفريط في الثوابت، بل حسن العرض، ودقة الربط، وصدق الممارسة. وحده الخطاب المتجدد، الصادق، المتوازن، القادر على مواكبة الواقع، هو ما يعيد للدين مكانته في النفوس، ويجعل الشباب يعودون إليه بوعي واقتناع.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخطاب الديني, تجديد الخطاب الديني, جمود الخطاب الديني



