![]()
ثبات الإمام أحمد يوم المحنة.. دروس في الصبر على الحق
ثبات الإمام أحمد يوم المحنة.. دروس في الصبر على الحق
في أوائل القرن الثالث الهجري، اجتاحت الأمة فتنة عظمى هزّت كيانها العلمي والفكري، عُرفت بـ محنة القول بخلق القرآن. كانت البداية حين تبنّى الخليفة المأمون مقالات المعتزلة، وفرض على القضاة والعلماء أن يصرّحوا بأن القرآن مخلوق، لا كلام الله الأزلي. وأصدر أوامره الصارمة بأن يُمتحن العلماء واحدًا واحدًا، فمن أبى قُتل أو سُجن أو عُذّب.
تساقط الكثيرون تحت وطأة التهديد، فمنهم من أجاب تقيّة، ومنهم من صرّح بما أُريد منه. غير أنّ الإمام أحمد بن حنبل – الفقيه المحدّث، الزاهد الورع – أبى أن يساير السلطان أو أن يغيّر كلمة الحق. فلما استُدعي إلى بغداد، ووقف بين يدي الوكلاء والجلادين، لم يجدوا منه إلا ثباتًا كالجبل، يردد: القرآن كلام الله غير مخلوق.
سُجن الإمام أحمد، وأُوذي، وضُرب بالسياط حتى أغشي عليه مرارًا. وحين تولّى المعتصم الخلافة بعد المأمون، ظنّ أنّه سيرهب أحمد بالضرب المتواصل، فجلده بين يدي القضاة والفقهاء. ومع كل سوط، كان الحاضرون يرجونه أن يتكلم بما يريده السلطان ليخلّص نفسه، لكنه يجيب: إن أعطيتكم كلمة ترضيكم، فماذا أقول لربي يوم القيامة؟
لقد تحوّل الإمام أحمد إلى رمز، ليس لأنه أعلم من غيره فقط، بل لأنه حمل أمانة الأمة في أشد لحظاتها حرجًا. ولو أنّه لانَ أو تنازل، لربما ضاعت عقيدة الأمة في كتاب الله، ولسارت الأجيال على أثر بدعة خطيرة تهدم أصل الدين. لكن بثباته صارت كلمته حياةً جديدة للسنة، وارتفع ذكره في العالمين.
وحين رفع الله المحنة في عهد الخليفة المتوكل، خرج الإمام أحمد مكرمًا مهابًا، وقد جعله الله آية في الصبر واليقين. صار لقبه خالدًا: إمام أهل السنة والجماعة، وصار درسه خالدًا لكل من يأتي بعده: أنّ العالم الحق ليس من يكثر الفتاوى، بل من يثبت إذا اهتزّ الناس.
واليوم، في زمان تتبدّل فيه الضغوط وتتخذ صورًا شتى، يبقى مشهد الإمام أحمد في السجن وتحت السياط درسًا خالدًا: أنّ دين الله لا يُصان إلا بأقوام صدقوا العهد، فحملوا الكلمة ودفعوا الثمن، فخلّد الله ذكرهم، وحفظ بهم الدين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أحمد بن حنبل, محنة الإمام أحمد



