![]()
تهنئة غير المسلمين بأعيادهم
قراءة فقهية معاصرة في تعدد الآراء والمقاصد
تهنئة غير المسلمين بأعيادهم
قراءة فقهية معاصرة في تعدد الآراء والمقاصد
لم تعد مسألة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم شأناً نظريًا يُتداول في بطون الكتب، بل غدت من القضايا الفقهية المعاصرة التي تفرض نفسها بقوة في واقعٍ يتسم بالتداخل المجتمعي، والتواصل الإنساني الواسع، وتنوّع البيئات التي يعيش فيها المسلمون، سواء في أوطان ذات نسيج ديني متعدّد أو في مجتمعات غير إسلامية.
ومن هنا برز السؤال الفقهي: ما حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية؟ وهل تدخل هذه التهنئة في باب المعاملات، أم تُلحق بشعائر الاعتقاد؟ هذا السؤال فتح بابًا واسعًا للاجتهاد، وتنوّعت حوله أنظار الفقهاء قديمًا وحديثًا.
الاتجاه القائل بالمنع والتحريم
ذهب فريق من الفقهاء إلى عدم جواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية، مستندين إلى أن هذه الأعياد مرتبطة بعقائد تخالف أصول الإسلام، وأن التهنئة بها تُعد – في نظرهم – إقرارًا ضمنيًا لشعائر دينية لا يعتقدها المسلم. ويستدل هذا الاتجاه بنقول عن بعض علماء السلف، وبكلام لابن القيم وغيره ممن شدّدوا في مسألة المشاركة أو الإقرار بشعائر غير المسلمين، معتبرين أن الأعياد من أخصّ ما تتميز به الملل والنحل، وأن التهنئة بها تختلف عن مطلق البرّ أو حسن المعاملة.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن المنع لا يعني القطيعة أو الإساءة، بل يفرّقون بين المعاملة الحسنة المأمور بها شرعًا، وبين المشاركة اللفظية في مناسبات ذات طابع تعبدي، ويرون أن الحفاظ على الخصوصية العقدية مقصد شرعي لا ينبغي التفريط فيه تحت ضغط الأعراف أو المجاملات الاجتماعية.
الاتجاه القائل بالجواز بضوابط
في المقابل، ذهب عدد من الفقهاء المعاصرين إلى القول بجواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، لا على سبيل الإقرار الديني، بل باعتبارها من باب المجاملة الاجتماعية، وحسن العشرة، وتحقيق مقاصد البرّ والإحسان، خاصة في المجتمعات المختلطة. ويرى هذا الاتجاه أن التهنئة لفظٌ يحتمل معاني متعددة، وأن العبرة فيه بالنية والمقصد، لا بمجرد الصيغة.
ويستند هذا الرأي إلى عمومات النصوص الداعية إلى البر والقسط مع غير المسلمين غير المحاربين، وإلى سيرة النبي ﷺ في تعامله الإنساني مع غير المسلمين، حيث قَبِلَ الهدايا، وعاد المرضى، وحفظ العهود. كما يفرّق هذا الاتجاه بين التهنئة وبين المشاركة الفعلية في الشعائر الدينية، فيجعل الأولى من باب المعاملة، والثانية من باب العبادة التي لا تجوز.
الاتجاه الوسطي القائم على التفصيل والسياق
اتجه بعض العلماء إلى موقف تفصيلي لا يُصدر حكمًا عامًا، بل يربط المسألة بالسياق والبيئة والمآلات. ففرّقوا بين التهنئة العامة التي تخلو من أي تعظيم ديني، وبين الصيغ التي تتضمن إقرارًا عقديًا صريحًا. كما فرّقوا بين من يعيش في مجتمع مسلم ذي أغلبية واضحة، وبين من يعيش كأقلية مسلمة في بلاد غير إسلامية، حيث تختلف الحاجة، وتتنوع مقاصد الخطاب.
ويرى هذا الاتجاه أن الفقه في هذه المسألة لا ينفصل عن فقه الواقع، وأن تنزيل الحكم يتأثر بدرجة الاختلاط، وطبيعة العلاقات، ومآلات الفعل على صورة الإسلام والمسلمين، مع التأكيد على أن الثوابت العقدية لا تتغير، وإن تغيّرت أساليب التعبير والتواصل.
بين النصوص والمقاصد: مساحة الاجتهاد المعاصر
تكشف هذه المسألة عن التفاعل الدائم بين النصوص الشرعية ومقاصدها، وبين الثوابت والمتغيرات في حياة الناس. فهي من القضايا التي لم يرد فيها نصٌّ قاطع الدلالة والثبوت يحسم الخلاف، مما فتح باب الاجتهاد، وأنتج هذا التعدد في الآراء. ويجمع الفقهاء – على اختلاف توجهاتهم – على ضرورة صيانة العقيدة، كما يجمعون على أهمية العدل وحسن الخلق، ويبقى الخلاف في كيفية الجمع بين هذين الأصلين في واقع معقّد ومتغيّر.



