تفنيد أسطورة الانتحار المزعومة بحق النبي

استغلوا نصوصًا منقوصة من سياقها

من بين الشبهات التي ما انفكّ خصوم الإسلام يثيرونها عبر القرون، تلك الدعوى الباطلة التي تزعم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم – في بدايات الوحي – قد همَّ بالانتحار، وأنّ هذه الحالة دليل ضعف...
دعوة نبوية حولت المسار.. الهداية من رحم العناد

تفنيد أسطورة الانتحار المزعومة بحق النبي

استغلوا نصوصًا منقوصة من سياقها

من بين الشبهات التي ما انفكّ خصوم الإسلام يثيرونها عبر القرون، تلك الدعوى الباطلة التي تزعم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم – في بدايات الوحي – قد همَّ بالانتحار، وأنّ هذه الحالة دليل ضعف أو اضطراب نفسي. يروّج لهذه الأكذوبة بعض المستشرقين ومن تبعهم من المشككين في التراث الإسلامي المعاصر، في محاولة لتقويض صورة النبوة وتشويه لحظة التأسيس الأولى للوحي. وهي شبهة تنطوي على خبث فكري ظاهر، إذ تستغلّ نصوصًا منقوصة من سياقها التاريخي والحديثي، وتحاول أن تبني عليها استنتاجًا يناقض بداهة مقام النبوة وصفاءها.

أصل الشبهة ومصدرها

تعتمد هذه الشبهة على رواية وردت في بعض نسخ صحيح البخاري في باب “بدء الوحي”، جاء فيها:

“ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يذهب إلى شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منها نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه وتقرّ نفسه، فيرجع”.

وقد تلقّف أعداء الإسلام هذا النص، مبتورًا من ضوابطه الحديثية، ليزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ بالانتحار. غير أن التحقيق العلمي الدقيق يُظهر أن هذه الزيادة ليست من رواية الإمام البخاري، بل مدرجة في بعض النسخ من طريق راوٍ يُدعى الزهري، وقد أنكرها كبار المحدثين المحققين.

التحقيق الحديثي للرواية

اتفق العلماء المحققون على أن زيادة “همّ النبي بإلقاء نفسه من شواهق الجبال” زيادة شاذة غير ثابتة. قال الإمام ابن حجر في فتح الباري: “هذا من بلاغات الزهري، وليس موصولًا بالإسناد الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم.”
كما أكد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية أن هذه الزيادة منقطعة ولا تصحّ، وأن أصل الرواية لا يتضمّن هذا المعنى مطلقًا.

بل إن النسخ المعتمدة لصحيح البخاري – ومنها رواية الفربري التي نقلت إلى سائر الأمصار – خالٍ تمامًا من هذه الزيادة، وهو ما رجّحه ابن حجر والنووي وغيرهما. والراجح أن بعض الرواة الضعفاء أدخلوا هذه الجملة ظنًّا منهم أنها تفسير لفترة الوحي، فالتبس الأمر على من بعدهم.

دلالة النص الصحيح

النص الصحيح الثابت لا يتضمّن أي ذكر لفعل الانتحار أو التفكير فيه، وإنما يصف حالة إنسانية نبيلة من الحزن والرهبة عاشها النبي صلى الله عليه وسلم بعد انقطاع الوحي الأول، وهي حالة طبيعية في مقام الرسالة، إذ لم يكن يعلم ما الذي يحدث له، ولا كيف سيتجدد الاتصال بالوحي. فجاء جبريل بعد ذلك مطمئنًا له ومؤكدًا له رسالته، فاستقر في نفسه الطمأنينة الكاملة، ومضى في طريق النبوة والبلاغ.

رد العلماء على مضمون الشبهة

بيّن الإمام القاضي عياض في الشفا بتعريف حقوق المصطفى أن نسبة الاضطراب أو محاولة الانتحار إلى النبي صلى الله عليه وسلم كفر صريح، لأن النبوة تستلزم عصمة الله لأنبيائه من مثل هذه الأفعال التي تناقض الثقة بالله وحكمته. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح أن هذه الدعوى من مفتريات أعداء الإسلام، مبنية على جهل بطبيعة الوحي وبالبشرية المكرّمة للنبي.

والمتأمل في السيرة النبوية يجد العكس تمامًا: النبي صلى الله عليه وسلم كان في أشدّ لحظات الابتلاء صبرًا وثباتًا، سواء في الطائف حين أدموه، أو في أحد حين تكالبت عليه الجراح. فكيف يُتصوّر من هذا القلب المطمئن أن يهمّ بإنهاء حياته وهو الذي علّم البشرية معنى التوكل والصبر واليقين؟

حقيقة فترة الوحي

ما حدث في تلك الفترة هو ما يسميه العلماء فتور الوحي، وهي سنة إلهية في رسالات الأنبياء، تأتي لتثبيت الرسول وتهيئته للمسؤولية الكبرى. وفي تلك الفترة، لم يكن الحزن الذي اعترى النبي حزن يأس أو ضعف، بل كان حزنَ شوقٍ لعودة الخطاب الإلهي الذي ملأ قلبه نورًا. وقد عبّر ابن القيم عن ذلك في زاد المعاد بقوله: “كان انقطاع الوحي ليزداد شوقه إليه، وتتهيأ روحه لحمل ما بعدها من الأعباء.”

الخلاصة الحديثية والفكرية

الشبهة إذن مبنية على نص غير ثابت، وتأويل فاسد، وسوء فهم لطبيعة التجربة النبوية.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يُقدِم على الانتحار، ولم يخطر بباله، وإنما مرّ بمرحلة انتظار إنساني عميق لعودة جبريل عليه السلام، حتى جاءه القول الحق: “يا أيها المدثر، قم فأنذر.”

وهكذا يتهاوى زيف الافتراء حين يُعرض على ميزان العلم والتحقيق، ويُكشف وجه النور في لحظة الوحي الأولى، لا كضعف بشري، بل كبداية لرسالة عظيمة غيّرت وجه التاريخ.

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك