![]()
“تفثهم”: صورة قرآنية للهلاك والقدرة الإلهية
هناك كلمات في القرآن الكريم تتجاوز حدود اللفظ العادي لتصبح نبضًا حيًا في روح النص، وكأنها ترسم مشهدًا حركيًا يلامس القلب والعقل معًا. كلمة “تفثهم” واحدة من هذه الكلمات النادرة، التي اختارها الله تعالى بعناية لتصوير أشد لحظات الهلاك الإلهي بدقة وواقعية لا تضاهى.
دقة التعبير البلاغي
“تفثهم” مأخوذة من جذر الفعل فَثَّ، الذي يعني إخراج الشيء فجأة وبقوة، مع إثارة ما حوله من بقايا وغبار. في سياق الآية، حيث يُذكر هلاك الكافرين يوم القيامة، تنبض الكلمة بالحركة العنيفة والقدرية، وكأن الأرض نفسها تشارك في تنفيذ حكم الله، وتخرج البشر من أعماقها إلى جزائهم المستحق.
هذا اللفظ المختار يبرز قدرة القرآن على رسم المشهد بأدق التفاصيل، فليس مجرد وصف للهلاك، بل تصوير حي يجعل القارئ يشعر بالحدث وكأنه أمام عيناه، بين الرهبة والواقعية معًا. فكل حرف يحمل فعلًا، وكل حركة للكلمة تثير في النفس مشاعر التأمل والخشية من قدرة الله العادلة.
المعنى الروحي والتدبري
حين يتدبر المسلم كلمة “تفثهم”، يتجلى له اتساع قدرة الله ودقة عدله. فهي تذكر بأن كل إنسان سيواجه جزاء أعماله، وأن الأرض نفسها لا تنسى من أعماها. هذه الصورة الروحية تجعل القلوب متواضعة، وتزرع في النفس خوفًا خالصًا من الله، مع تحفيز على التوبة والاجتهاد في الطاعة.
كما أن الكلمة تُظهر البلاغة القرآنية في اختيار اللفظ المناسب للسياق. فهي قصيرة، لكنها مشحونة بالمعنى والحركة والرمزية، وتوصل إحساس الهلاك والعقاب الإلهي بدقة مذهلة. القرآن هنا يعلّمنا أن اختيار الكلمة المناسبة ليس عشوائيًا، بل فنٌ إلهي يربط بين اللغة والروحانية والحركة التصويرية.
التدبر في قدرة الله
كلمة “تفثهم” دعوة للتفكر في قدرة الله المطلقة، وتجربة روحانية للمتدبرين. فهي تضع القارئ أمام حقيقة أن النظام الكوني لا يترك عبثًا، وأن الأرض نفسها خاضعة لحكم الله، وأن الجزاء له وقته ومكانه المحددان. التأمل في هذه الكلمة يجعل المؤمن أكثر خشوعًا، وأكثر إدراكًا للحكمة القرآنية في التعبير عن مصائر البشر بطريقة تجمع بين الواقعية الفنية والرسالة الروحية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, التدبر في القرأن الكريم, تفثهم



